









دواوير ترناتة تموت عطشًا بصمت.. أزمة الماء تهدد بانفجار اجتماعي
الوكالة
2025-07-30

سهام بنموسى – وكالة الأنباء المغربية
“الماء حق مشروع، فلماذا حُرمت منه هذه الدواوير؟”
بهذا السؤال المؤلم تختصر ساكنة عدد من الدواوير التابعة لجماعة ترناتة بإقليم زاكورة معاناتها اليومية مع العطش، في ظل أزمة مائية خانقة تتفاقم يوماً بعد آخر، في غياب حلول واضحة أو إجراءات حاسمة من الجهات المسؤولة، وانعدام التواصل الفعّال الذي يُطمئن الساكنة أو يفسّر ما يجري.
ورغم توفر الجماعة على صهريج ضخم طاقته الاستيعابية تقدر بــ 400 ألف لتر من الماء خُصّص لتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، فإن كميات هائلة من المياه تختفي في ظروف غامضة، ما يطرح علامات استفهام حول مدى نجاعة البنية التحتية وفعالية تدبير هذا المورد الحيوي.

تفيد المعطيات التي توصلت بها وكالة الأنباء المغربية أن أكثر من 400 طن من المياه تسربت من نفس الصهريج في ثلاث مناسبات متتالية، دون أن تتمكن اللجان التقنية من تحديد موقع الخلل. ففي 8 يوليوز، تم ضخ الماء على الساعة التاسعة ليلاً، فاختفى بالكامل. وفي 18 يوليوز، تكرّر الضخ في التوقيت نفسه، وانتهى بذات النتيجة. أما في 20 يوليوز صباحاً، فتم الضخ مرة ثالثة على الساعة التاسعة، ليُسجل مجددًا اختفاء الماء دون أي أثر مرئي للتسرب.
ما أثار قلق الفرق التقنية هو عدم ظهور أي علامات على التسرب في المسارات الرئيسية أو التوصيلات الفرعية، ما زاد من غموض القضية وحدّة الاستياء لدى السكان، خصوصًا مع توالي الفشل في كشف مكمن الخلل.
بهدف تطويق الوضع وتحديد موقع التسرب، قامت لجنة مكونة من السلطة المحلية، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وممثلي الفيدرالية، بوضع حاجز مائي على مستوى الشبكة عند النقطة المعروفة بـ”رباط الحجر”. وقد تضمن هذا الإجراء إغلاقًا كليًا لجميع المنافذ المؤدية إلى الدواوير، بما في ذلك المنفذ المؤقت “لبئر الرئيس”، وهو البئر الذي كان يُستعمل في فترات سابقة لدعم الشبكة مائيًا والتخفيف من حدة العطش. وقد نُفذت هذه العملية تحت إشراف مباشر من السلطة المحلية، التي تابعت مراحلها التقنية بدقة، في محاولة لرصد المقاطع المتضررة والتحقق من مصدر التسرب.

لكن، وبعد مرور أكثر من أسبوع على عملية الضخ بقي الصهريج ممتلئًا بالكامل، ما يدل تقنيًا على أن موقع الخلل – في حال وجوده – يقع بعد نقطة الحاجز المائي الذي وضعته اللجنة المكلفة بملف تتبع الماء، تحديدًا في الجزء الرابط بين دوار “رباط الحجر” والدواوير التي لا تزال تعاني من انعدام الماء.
وفي المقابل، أكدت مصادرنا من عين المكان بأن المعاينات الميدانية للشبكة تبدو سليمة انطلاقًا من الصهريج ومرورًا بعدد من الدواوير، من بينها أولاد أوشان، القصيبة، الكعابة، زاوية القاضي، ورباط الحجر، حيث لا تظهر أي مؤشرات على وجود تسربات أو أعطاب تقنية. هذا ما يُضيق من دائرة الاشتباه، ويُرجح أن يكون الخلل واقعًا في مقطع معيّن من الشبكة الممتدة بين نقطة “رباط الحجر” والدواوير التي لا تزال تعاني من انعدام الماء، دون أن يتم إلى حدود الساعة تحديد موقعه بدقة أو اتخاذ إجراء تقني حاسم لإنهاء الأزمة.
الوضع لم يعد يحتمل. في ظل صيف قائظ تُلامس فيه الحرارة الخمسين درجة أحيانًا، تستمر أزمة العطش في خنق عشرات الأسر بالدواوير التابعة لجماعة ترناتة، وسط صمت ثقيل، ومجهودات غائبة، وحلول متوقفة إن لم نقل منعدمة. الساكنة تعيش تحت ضغط نفسي واجتماعي رهيب، ومصيرها أصبح مجهولًا بالكامل. الماء، أبسط مقومات الحياة، بات حلمًا بعيد المنال، والمشهد اليومي يُنذر بانفجار اجتماعي وشيك.

وحسب معطيات دقيقة توصلت بها الجريدة، فإن العشرات من ساكنة بعض الدواوير، من ضمنها دوار “السرادنة” الذي نفد صبره من شدة العطش، توجهوا مرارًا إلى قيادة ترناتة لملاقاة ممثل السلطة المحلية. وفي إحدى المرات، التأمت مجموعة من الأسر وتوجهت جماعيًا صوب القيادة لمواجهة المسؤول وإشعاره بخطورة الوضع، خاصة مع اشتداد الحر في عز الصيف. ممثل السلطة من جانبه وعدهم بحل المشكل في غضون أسبوع، داعيًا إياهم للعودة إلى بيوتهم محمّلين بأمل الماء الذي سيروي عطشهم وعطش أطفالهم، لكنّ المدة انقضت، والوعد تبخر كما تبخر الماء في الصهريج.
فعاليات جمعوية وحقوقية بالمنطقة دقّت ناقوس الخطر، محذّرة من تبعات هذا الوضع الذي وصفته بـ”الخطير والمُهين”، في وقت لم تظهر فيه أي مؤشرات ملموسة على إرادة حقيقية لإيجاد حل جذري.
وفي اتصالاتها المتكررة مع الجريدة، وجهت الساكنة نداءات استعطاف واستغاثة إلى “عامل إقليم زاكورة” مهندس الماء و صاحب التخصص ، المشهود له بخبرته وكفاءته في تدبير ملفات الماء، راجين منه التدخل العاجل لتجاوز هذه الأزمة، والعمل على وضع حد لانقطاع الماء المتكرر وتأمين التزويد المستمر، باعتباره حقًا إنسانيًا لا يقبل التأجيل.

فأين تذهب هذه الكميات الهائلة من الماء؟ ولماذا لم يتم بعد تحديد موقع التسرب؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الهدر المتكرر؟ ولماذا تلتزم الجهات المسؤولة الصمت في ظل أزمة متفاقمة؟
أسئلة مشروعة تفرض نفسها بإلحاح في ظل غياب الوضوح، وانعدام الحلول الملموسة. وإن استمرار هذا الوضع، إلى جانب العجز التقني والصمت الإداري، يُنذر بأزمة اجتماعية حقيقية، ويُقوّض ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ما لم تُتخذ تدابير حازمة وعاجلة لإنهاء هذا العبث المائي وإنقاذ المنطقة برمتها من العطش واليأس.
وفي ٱنتظار بلاغ رسمي من لدن السلطات المعنية؛ والتزامًا بمبدأ المصداقية والشفافية والحياد، بعيدًا عن أي مغالطات، يبقى موقعنا، وفي إطار الحياد الإعلامي المشروط، مفتوحًا للجميع من أجل الرد، احترامًا لكل الآراء، ومحاولةً لكشف الحقائق، بدون زيادة أو نقصان.




