









“حين يقطر الزهر وجعاً… مسرحية تحفر في هشاشة الانتظار وتعرّي أقنعة الذات”
الوكالة
2026-06-23

احتضن المركب الثقافي الحي الحسني بمراكش، مساء الاثنين 22 يونيو 2026 على الساعة التاسعة ليلاً، العرض المسرحي “تقطار الزهر” لفرقة لوغاتوس، بدعم من المجلس الجماعي لمدينة مراكش، في تجربة مسرحية راهنت على البساطة الجمالية والعمق الإنساني لملامسة أسئلة الذات والعلاقة بالآخر.
العمل من تأليف محمد بوستة، وسينوغرافيا وإخراج محمد بلمقدم، وتشخيص كل من فاطمة الزهراء شتوان وآمال بوعتمان وأنس أفتح في دور “الغريب”، فيما تولت حجيبة سيروان مهمة المحافظة العامة، وإبراهيم بوسيف إدارة الخشبة.
منذ اللحظات الأولى للعرض، يجد المتلقي نفسه أمام فضاء درامي يختزل عالماً واسعاً من التناقضات النفسية والاجتماعية، حيث يلتقي الوهم بالحقيقة، ويتجاور الضحك المر مع الاعتراف المؤلم. فالمسرحية لا تكتفي بسرد حكاية شخصياتها، بل تنسج شبكة من الأسئلة الوجودية حول الانتظار والخذلان والرغبة في تحقيق الأحلام المؤجلة.
وتقوم الحبكة على علاقة أختين تجمعهما رابطة الدم وتفرقهما تصورات مختلفة للحياة والحلم، قبل أن يقتحم الغريب، الذي جسده الممثل أنس أفتح، فضاءهما المغلق، ليصبح محفزاً لكشف المستور وإثارة ما ظل حبيس الأعماق. ومن خلال لعبة الصندوق والسر، تتوالى لحظات الاعتراف والتوتر، فتتهاوى الأقنعة تدريجياً أمام حقيقة النفس البشرية بكل هشاشتها وتعقيداتها.
على المستوى الإخراجي، نجح محمد بلمقدم في توظيف السينوغرافيا كعنصر دلالي يساهم في بناء المعنى، حيث بدا الفضاء المسرحي بسيطاً في شكله، لكنه غنياً في رموزه وإيحاءاته. كما ساهم الأداء التمثيلي للممثلتين فاطمة الزهراء شتوان وآمال بوعتمان، إلى جانب الحضور الدرامي للممثل أنس أفتح في دور الغريب، في منح الشخصيات صدقاً إنسانياً جعل المتفرج قريباً من معاناتها وتساؤلاتها.
وتُحسب للمسرحية قدرتها على الاقتراب من تفاصيل الحياة الاجتماعية اليومية دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة، إذ جعلت من الخوف من الوحدة، والرغبة في الانتماء، والانتظار الطويل، موضوعات درامية تنبض بالحياة وتلامس وجدان الجمهور.
غير أن قوة العرض لا تكمن فقط في بنائه الحكائي، بل في تلك المساحات التأملية التي يتركها مفتوحة أمام المتلقي، ليعيد قراءة مصائر الشخصيات انطلاقاً من تجاربه الخاصة. فـ”تقطار الزهر” ليست مجرد حكاية تُروى على الخشبة، بل تجربة شعورية تدعو إلى تأمل مجريات الحياة قطرةً قطرة، تماماً كما يتساقط الزهر بهدوء حاملاً معه عبق الأمل ومرارة الانتظار.
لقد قدمت فرقة لوغاتوس عملاً مسرحياً يزاوج بين المتعة الفنية والبعد الإنساني، مؤكدة أن المسرح لا يزال قادراً على مساءلة الواقع وكشف خبايا النفس، في عرض ترك صداه لدى الجمهور وفتح باب التأويل على مصراعيه، بين الرجاء والخذلان، وبين الحلم الذي يراود الإنسان والحقيقة التي تفرض حضورها في النهاية.



