حين يعيد الذكاء الاصطناعي الاعتبار للصحافة

الوكالة

2025-10-22

عبد الرزاق باحدة
كثيرون يتنبأون بأن الذكاء الاصطناعي سيقضي على مهنة الصحافة، وأن الخوارزميات ستصبح بديلا عن القلم، وأن الروبوت سيتكلم بدلا من الإنسان. أسمع هذا الرأي كثيرا، وأتأمله أكثر، لكن كلما نظرت إلى الواقع المغربي، خصوصا في فضاءات التواصل الاجتماعي، أدركت أن هذه النبوءة لم تولد إلا من سوء فهم للتكنولوجيا، وجهل بجوهر مهنة الصحافة.

نحن نعيش اليوم لحظة غريبة من التاريخ الرقمي، إذ أصبح في مقدور أي شخص أن يصنع خبرا مزيفا خلال دقائق، بصورة مصطنعة أو فيديو مموه أو نص يولده برنامج ذكي. تتناسل الأخبار كما تتناسل الظلال، وتضيع الحقيقة بين أيدي التطبيقات والذكاءات التي لا تعرف الأخلاق ولا تعي أثر الكلمة. ومع ذلك، وسط هذه الفوضى، يكتشف الناس شيئا بسيطا لكنه جوهري: أن الحاجة إلى الصحافة لم تمت، بل ازدادت.

فالصحافي اليوم هو اخر جدار دفاعي أمام زحف التزييف، هو من يملك القدرة على التحقق، وعلى الشك المهني، وعلى مساءلة المعلومة بدل تمريرها. نحن لا نحارب الذكاء الاصطناعي، بل نروضه ونحوله إلى أداة تخدم الحقيقة بدل أن تهدمها. نستخدمه في كشف الصور المضللة، في تحليل الفيديوهات، في تتبع مسار الشائعات، تماما كما يستخدمه الآخرون في تزوير الوعي. الفرق بيننا وبينهم هو الضمير.

لقد حول الذكاء الاصطناعي مواقع التواصل إلى غابة من الأصوات والصور، لا ضابط لها سوى القوانين الجنائية حين تقع الجريمة. لكن حين يختلط الزيف بالصدق، يعود المواطن إلى مصدره الآمن: الصحافة المهنية. وهذا وحده كاف ليؤكد أن المهنة لم تمت، بل تتجدد كلما ظن الناس أنها انتهت.

الذكاء الاصطناعي لن يقتل الصحافة، بل سيصقلها. سيجبرها على العودة إلى أصولها: التحقق، التحليل، والبحث عن المعنى وسط الضجيج. وسيمنح الصحافي فرصة جديدة ليثبت أنه ليس مجرد ناقل للأخبار، بل حارس للوعي الجمعي، وسيبقى الإنسان، مهما بلغت دقة الآلة، صاحب الكلمة الأخيرة. لأن الصحافة ليست عملية حسابية، بل ضمير ناطق بالحقيقة.

تصنيفات