









حين يعود ألم الماضي إلى الحاضر
الوكالة
2026-09-14

غزلان قصري _ أخصائية نفسية سريرية
هناك تجارب نعيشها في الماضي، ونعتقد مع مرور الوقت أننا تجاوزناها، غير أن بعض الأحداث لا تنتهي بمجرد انتهاء وقوعها؛ فقد تظل آثارها حاضرة في الذاكرة والانفعالات وطريقة نظرتنا إلى أنفسنا وإلى العالم.
قد يكون الأمر متعلقًا بفشل مهني، أو فرصة ضائعة، أو علاقة انتهت، أو تجربة رفض، أو فترة طويلة من الانتظار دون تحقيق الهدف المنشود. وبعد سنوات، يكفي أحيانًا أن يتحدث الشخص عن تلك التجربة حتى يشعر بالحزن أو الغضب أو العجز وكأن الحدث وقع من جديد.
فهل يعني ذلك أن الجرح النفسي قد انفتح من جديد؟
الذاكرة لا تحتفظ بالحدث فقط
يشير عالم النفس فريدريك بارتليت (Frederic Bartlett)، في أبحاثه حول الذاكرة، إلى أن التذكر ليس مجرد استرجاع حرفي لما حدث، وإنما هو عملية إعادة بناء.
ومن هذا المنظور، عندما نتذكر تجربة مؤلمة، فإننا لا نستعيد «صورة» محايدة للماضي، وإنما قد تعود معها بعض المعاني والانفعالات التي ارتبطت بها.
ولهذا قد يقول الإنسان:
«أعرف أن الأمر انتهى منذ سنوات، لكن عندما أتحدث عنه أشعر بالألم نفسه.»
الماضي قد يعود من خلال الانفعال
في علم النفس المعاصر، يمكن الحديث هنا عن إعادة التنشيط الانفعالي. فموقف أو كلمة أو حديث عن تجربة سابقة قد يعمل كمثير يعيد تنشيط شبكة من الذكريات والأفكار والمشاعر المرتبطة بها.
وقد بيّن آرون بيك (Aaron Beck)، مؤسس العلاج المعرفي، أهمية الأفكار والمعتقدات في تشكيل الاستجابة الانفعالية. فالحدث وحده لا يحدد دائمًا ما نشعر به؛ بل تلعب الطريقة التي نفسر بها الحدث دورًا أساسيًا.
فالشخص الذي عاش فشلًا مهنيًا قد لا يحتفظ فقط بذكرى «لم أحصل على الترقية»، وإنما قد يحتفظ أيضًا بفكرة أعمق مثل:
«أنا غير كفء.»
«مهما حاولت فلن أنجح.»
«الآخرون لا يقدّرونني.»
وعندما يعود الحديث عن التجربة، قد تعود هذه الأفكار، وبالتالي تعود معها المشاعر المرتبطة بها.
من الإحباط إلى الشعور بالعجز
في هذا السياق، تكتسب نظرية مارتن سليغمان (Martin Seligman) حول العجز المتعلّم أهمية خاصة.
فعندما يواجه الإنسان لفترة طويلة ظروفًا يشعر بأنه لا يستطيع تغييرها، قد يتطور لديه إحساس بأن محاولاته لن تؤدي إلى نتيجة، حتى عندما تتوفر لاحقًا إمكانية للتغيير.
فالشخص الذي انتظر لمدة عامين ترقية أو اعترافًا مهنيًا ولم يحصل عليه، قد لا يتألم فقط بسبب فقدان الفرصة، بل قد يحمل معه شعورًا أعمق:
«مهما فعلت، لن أستطيع تغيير شيء.»
وهنا يتحول الحدث من مجرد واقعة ماضية إلى تجربة لها تأثير في الحاضر.
هل الحديث عن الماضي يفتح الجرح؟
يمكن بالفعل أن يؤدي الحديث عن تجربة مؤلمة إلى إعادة تنشيط المشاعر المرتبطة بها، لكن من الخطأ القول إن الحديث وحده يسبب مرضًا نفسيًا.
فالمرض النفسي لا ينتج عادة عن عامل واحد، وإنما عن تفاعل معقد بين عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية وشخصية.
كما أن الحديث عن الألم ليس دائمًا أمرًا سلبيًا.
على العكس، في إطار علاجي آمن، يمكن للحديث أن يصبح وسيلة للتعبير، والفهم، وإعادة تنظيم التجربة وإعطائها معنى جديدًا.
وهنا يمكن استحضار أعمال بيير جانيه (Pierre Janet) حول الصدمة النفسية، والتي أبرزت أهمية قدرة الفرد على دمج التجربة المؤلمة في سيرته النفسية بدلًا من بقائها منفصلة ومشحونة انفعاليًا.
بين استحضار الجرح ومعالجته
هناك فرق مهم بين أن يعود الإنسان باستمرار إلى الماضي في شكل اجترار فكري، وبين أن يستحضر التجربة بهدف فهمها ومعالجتها.
الاجترار قد يجعل الإنسان يدور حول الأسئلة نفسها:
لماذا حدث ذلك؟ لماذا فشلت؟ لماذا لم ينصفني الآخرون؟ ماذا لو فعلت شيئًا مختلفًا؟
أما المعالجة النفسية فتسعى إلى الانتقال من مجرد تكرار السؤال إلى فهم التجربة وإعادة بناء معناها.
وهنا يصبح السؤال ليس:
«لماذا حدث لي هذا؟»
فقط، وإنما أيضًا:
«ماذا تركت هذه التجربة بداخلي؟ وكيف أثرت في نظرتي إلى نفسي؟ وكيف يمكنني أن أعيش الحاضر دون أن أبقى أسيرًا للماضي؟»
الجرح النفسي لا يختفي دائمًا بمجرد مرور الزمن
إن مرور السنوات لا يعني بالضرورة أن التجربة قد تمت معالجتها نفسيًا.
قد يبتعد الحدث زمنيًا، لكنه يبقى قريبًا من الناحية الانفعالية.
ولهذا فإن عبارة «فتح الجرح من جديد» يمكن فهمها كمجاز نفسي لوصف عودة مشاعر مرتبطة بتجربة مؤلمة سابقة.
لكن إعادة ظهور الألم ليست بالضرورة علامة على الفشل أو الانتكاس؛ فقد تكون أحيانًا فرصة لفهم شيء لم تتم معالجته من قبل.
خلاصة
إن الإنسان لا يعيش الأحداث فقط، بل يعيش أيضًا المعنى الذي يمنحه لهذه الأحداث.
وقد ينتهي الحدث في الواقع، بينما تستمر آثاره في الذاكرة والانفعالات والمعتقدات.
لذلك، عندما يعود شخص إلى تجربة مؤلمة ويتحدث عنها فيشعر بالألم من جديد، فإن الأمر لا يعني بالضرورة أنه عاد إلى نقطة الصفر، وإنما قد يعني أن التجربة ما زالت تحمل شحنة نفسية تحتاج إلى الفهم والمعالجة.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع تغيير ما حدث في الماضي، لكن يمكننا أن نعمل على تغيير المكان الذي يحتله ذلك الماضي داخلنا.




