









حين تصبح الصورة ذاكرة
الوكالة
2026-08-09

في الصحافة، لا تمر اللحظة أمام عدسة المصور كما تمر في الحياة اليومية، فهناك مشاهد تنتهي بانتهاء الحدث، وأخرى تنجح الصورة في انتزاعها من عابر الزمن وتحويلها إلى وثيقة بصرية تحفظ تفاصيلها للأجيال.
وتختصر هذه الفكرة مقولة المصور الفرنسي هنري كارتييه بريسون «الشيء الرائع في التصوير الفوتوغرافي هو التقاط ما هو آخذ في الاختفاء»، وهي عبارة تلخص جوهر العمل الفوتوغرافي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتصوير الصحفي الذي يجعل من اللحظة العابرة شاهداً على حدث قد لا يتكرر.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة أمبارك فلحاوي، الصحفي المصور المهني ومؤسس شركة «وكالة الأنباء المغربية»، الذي تعكس صورته خلف عدسة كاميرته جانباً من تفاصيل المهنة التي تقوم على الحضور الميداني والمراقبة الدقيقة والانتظار والقدرة على التقاط اللحظة المناسبة في جزء من الثانية.
فالمصور الصحفي لا يكتفي بحمل الكاميرا وتسجيل ما يحدث أمامه، بل يضطلع بمهمة أكثر تعقيداً تتمثل في البحث عن اللحظة التي تختصر الحدث وتمنحه دلالته البصرية. وقد تكون هذه اللحظة تعبيراً عابراً على وجه شخص، أو حركة حاسمة في منافسة رياضية، أو مشهداً من لقاء رسمي، أو موقفاً إنسانياً، أو حتى تفصيلاً صغيراً قد يبدو عادياً لحظة وقوعه، لكنه يتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة تحمل قيمة تاريخية أو صحفية.
وتكتسب الصورة الصحفية قوتها من قدرتها على تثبيت ما لا يمكن للعين الاحتفاظ به طويلاً. فالمشهد ينتهي، والأشخاص يغادرون المكان، والحدث يصبح جزءاً من الماضي، لكن الصورة تظل حاضرة، قادرة على إعادة المشاهد إلى اللحظة نفسها واستحضار تفاصيلها بعد سنوات.
ومن هنا تتحول الكاميرا بالنسبة إلى المصور الصحفي من مجرد أداة تقنية إلى وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، إذ يمكن لصورة واحدة أن تختصر حدثاً كاملاً، وأن تصبح شاهداً على مرحلة أو شخصية أو موقف أو تحول اجتماعي وسياسي ورياضي وثقافي.
غير أن الوصول إلى هذه النتيجة لا يرتبط بالتقنيات وحدها، بل يتطلب حساً مهنياً وقدرة على قراءة المشهد قبل التقاطه. فالمصور المحترف مطالب بأن يعرف أين يقف، وما الذي يراقبه، ومتى يضغط على زر الكاميرا، وكيف يلتقط الصورة دون أن يغير طبيعة الحدث أو يفرض عليه عناصر من خارج الواقع.
وفي العمل الصحفي، تتكامل الصورة مع الخبر والتقرير والتحقيق، إذ تمنح المتلقي زاوية أخرى لفهم الحدث، وتضيف إلى النص بعداً بصرياً قد يصعب على الكلمات وحدها نقله. ولذلك أصبحت الصورة جزءاً أساسياً من صناعة الخبر، لا مجرد عنصر تزييني يرافق المادة الصحفية.
وتفرض هذه المسؤولية على المصور احترام قواعد المهنة، وفي مقدمتها الحفاظ على صدقية الصورة وعدم إخراجها من سياقها أو تقديمها بطريقة توحي بمعنى مختلف عن حقيقة المشهد. فالصورة الصحفية، مثل النص، تحمل مسؤولية تجاه المتلقي، ويمكن أن تتحول إلى وثيقة مرجعية متى ارتبطت بحدث ذي قيمة.
وتجسد صورة أمبارك فلحاوي خلف عدسته هذا الجانب من المهنة؛ مصور في الميدان، يراقب التفاصيل، ينتظر اللحظة المناسبة، ثم يحول جزءاً من الثانية إلى صورة قادرة على البقاء بعد انتهاء الحدث.
وبين لحظة عابرة وعدسة تلتقطها، يتحول الزمن إلى ذاكرة، ويتحول المشهد إلى شهادة، وتصبح الصورة وثيقة تتجاوز حدود اللحظة التي ولدت فيها.
فالمصور الصحفي لا يكتفي بتصوير ما تراه العين، وإنما يسعى إلى التقاط ما قد يختفي بعد لحظات، وحفظه في صورة يمكن أن تستعيدها الذاكرة كلما احتاجت إلى العودة إلى ذلك الحدث.
ومن هنا، لا تقاس قيمة الصورة فقط بجمال تكوينها أو جودة التقاطها، وإنما بقدرتها على رواية قصة، وتوثيق لحظة، ونقل إحساس، وحفظ جزء من الحقيقة في زمن سريع التحول.
أمبارك فلحاوي، من خلال حضوره خلف عدسة الكاميرا، يقدم صورة للمصور الصحفي الذي اختار الميدان فضاءً لعمله، والكاميرا وسيلة لتوثيق الأحداث، والصورة جسراً بين اللحظة والذاكرة.




