









حين تتصدر الصين PISA.. ويظل السؤال هل نُعلّم أم نشحن؟
الوكالة
2026-09-10

محمد نشوان
أثارت نتائج التقييم الدولي PISA من جديد النقاش حول جودة المنظومات التعليمية، بعدما واصلت الأنظمة التعليمية الآسيوية، وفي مقدمتها الصين، تحقيق نتائج متقدمة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، لتطرح بذلك سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: ما الذي يجعل مدرسة ما تنتج تعلمات ذات جودة، بينما تظل أخرى أسيرة منطق الكم وتراكم المقررات؟
فإذا كانت الصين تتصدر الترتيب في بعض مجالات تقييم PISA، فإن استحضار التجربة الصينية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مقارنة في الأرقام والترتيب، بل إلى فرصة للتأمل في فلسفة المدرسة، وطريقة بناء التعلمات، ومكانة المتعلم داخل المؤسسة التعليمية.
وفي المقابل، يبرز في واقعنا التربوي سؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن أن ننتظر نتائج نوعية من مدرسة تُثقل كاهل المتعلم بساعات متواصلة من الدروس، دون أن توفر له، بالقدر الكافي، شروط الراحة والإطعام المدرسي والأنشطة الموازية والحياة المدرسية؟
فخمس ساعات متواصلة من الاستقبال والتلقين والشحن المعرفي، دون فترات كافية لاستعادة التركيز، ودون أنشطة ثقافية ورياضية وفنية واجتماعية، قد تحول المدرسة تدريجياً إلى فضاء لتكديس المعلومات بدل أن تكون فضاءً لبناء الشخصية وتنمية التفكير.
فالمتعلم ليس جهازاً لتخزين المعارف، ولا وعاءً ينبغي ملؤه بالمعلومات إلى أقصى حد. إنه إنسان يحتاج إلى الحركة، واللعب، والتواصل، والإبداع، والتعبير، والتغذية، والراحة، قبل أن يكون في حاجة إلى المزيد من الدروس والتمارين والواجبات.
وهنا تكمن المفارقة، قد ننجح في رفع عدد ساعات التعلم، وعدد الدروس، وحجم المقررات، وعدد الاختبارات، ثم نفشل في تحقيق الهدف الأساسي للتربية: أن يتعلم الطفل كيف يفكر، وكيف يحلل، وكيف يحل المشكلات، وكيف يتواصل، وكيف يعيش مع الآخرين.
إن مقاربة الكم على حساب الكيف قد تمنح إحساساً مؤقتاً بأننا نعمل أكثر، لكنها لا تعني بالضرورة أننا نتعلم بشكل أفضل. فزيادة ساعات الدراسة لا تعادل تلقائياً زيادة جودة التعلمات، كما أن كثرة الواجبات والتمارين والاختبارات لا تضمن بناء متعلم مستقل وقادر على التفكير النقدي.
المطلوب اليوم ليس مدرسة تشحن المتعلم بالمعلومات، وإنما مدرسة تُنمّي فيه القدرة على استعمال المعرفة.
مدرسة فيها درس، نعم، ولكن فيها أيضاً مكتبة ومسرح ورياضة وفن ونقاش وورشات ومشاريع وحياة مدرسية حقيقية. مدرسة يجد فيها التلميذ وجبة تغذي جسده، ومعرفة تغذي عقله، ونشاطاً يغذي خياله، وعلاقات إنسانية تمنحه الإحساس بالانتماء والأمان.
أما الاحتفاء بترتيب عالمي مشرف، دون النظر إلى الكلفة الإنسانية والتربوية التي قد تكون وراءه، فقد يجعلنا نحتفل بالرقم وننسى الإنسان.
التعليم الجيد لا يُقاس فقط بعدد الساعات التي يقضيها التلميذ داخل الفصل، وإنما بما يخرج به من المدرسة من معرفة، ومهارات، وثقة بالنفس، وقدرة على التفكير والإبداع. فالسؤال الحقيقي ليس كم ساعة درسنا؟ بل ماذا تعلمنا؟ وكيف تعلمناه؟ وماذا أصبحنا قادرين على فعله بعد أن تعلمناه؟ وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين مدرسة تُنتج النقط والترتيب، ومدرسة تُنتج الإنسان.




