حين تتدخل الإدارة لتصحيح نفسها..مذكرة ضريبية تصحّح تطبيق واجبات التسجيل

الوكالة

2026-01-21

محمد البشيــري

نادراً ما تعترف الإدارة، ولو ضمنياً، بأن الممارسة اليومية قد تنحرف أحياناً عن روح القانون، أو أن بعض التأويلات التي تستقر داخل دواليبها تتحول، مع مرور الوقت، إلى أعراف غير مكتوبة تُفرض على الملزمين باعتبارها القاعدة. غير أن المذكرة التصحيحية الصادرة عن المديرية العامة للضرائب بتاريخ 12 يناير 2026، والمتعلقة بتطبيق واجبات التسجيل المرتبطة بقسمة فرز النصيب، تشكل لحظة مؤسساتية لافتة، لا لأنها جاءت بجديد تشريعي، بل لأنها أعادت ترتيب العلاقة بين النص القانوني، والاجتهاد القضائي، والممارسة الإدارية، بعد سنوات من الالتباس والتأويل الموسع.

فالمذكرة جاءت لتضع حداً لوضع شاذ، دأبت خلاله بعض مصالح التسجيل على احتساب واجبات التسجيل في حالات قسمة فرز النصيب على أساس القيمة الإجمالية للعقار المملوك على الشياع، بدل الاقتصار على النصيب المفرز الذي خرج فعلياً من حالة الشيوع إلى التملك الفردي. وهو توجه، وإن بدا منسجماً مع منطق التحصيل الجبائي، إلا أنه افتقر إلى الأساس القانوني السليم، وأفرز اختلالات عملية، كان ثمنها تضخيم الوعاء الضريبي بشكل لا يعكس حقيقة التصرف القانوني المنجز، ولا ينسجم مع مبدأ التناسب بين الضريبة وواقعتها المنشئة.

فقسمة فرز النصيب، في جوهرها القانوني، لا تُنشئ ملكية جديدة، ولا تنقل الحقوق من ذمة إلى أخرى، بقدر ما تحدد مجال الاستغلال والانتفاع داخل ملكية مشاعة، مع بقاء باقي الحصص على حالها. ومن ثم، فإن إخضاع مجموع الأصل العقاري لواجبات التسجيل، في ظل استمرار الشياع بين باقي الشركاء، يمثل توسيعاً غير مبرر للوعاء الضريبي، وخلطاً بين ما هو مفرز فعلاً، وما لا يزال مشاعاً بحكم القانون.

هذا الخلط لم يمر دون مساءلة، إذ سبق للقضاء، وتحديداً محكمة النقض، أن حسم في هذا الإشكال، معتبراً أن استغلال أحد الشركاء لنصيبه المفرز، مع استمرار حالة الشياع بين باقي المالكين، لا يبرر إخضاع مجموع العقار لواجبات التسجيل، لما في ذلك من تحميل ضريبي غير مشروع، ومنافٍ لمبادئ العدالة الجبائية. وهو اجتهاد قضائي مستقر، ظل لفترة طويلة يصطدم بممارسات إدارية متحفظة، إلى أن جاءت هذه المذكرة لتجعل منه مرجعاً ملزماً في التطبيق.

ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة الوثيقة باعتبارها مجرد توجيه داخلي، بل باعتبارها تصحيحاً لمسار إداري طال أمده، وانتقالاً واضحاً من منطق التأويل الموسع إلى منطق الامتثال للاجتهاد القضائي، بما يحمله ذلك من دلالات مؤسساتية مهمة. فالإدارة، حين تُقر ضمنياً بأن بعض ممارساتها كانت محل نزاع، وتبادر إلى توحيد التطبيق على ضوء قرارات القضاء، فإنها لا تمس بهيبتها، بقدر ما تعزز مصداقيتها، وتبعث برسالة طمأنة إلى الملزمين مفادها أن القانون ليس أداة ضغط، بل إطاراً للإنصاف.

وفي هذا السياق، أوضح الخبير في المالية العامة والشؤون الضريبية الدكتور جواد لعسري، في اتصال هاتفي أجرته الجريدة معه بخصوص هذه المذكرة التصحيحية، أن الوثيقة تكتسي أهمية مزدوجة، قانونية ومؤسساتية، لأنها تُنهي عملياً حالة من التنازع غير المعلن بين الإدارة والاجتهاد القضائي، وتُكرّس مبدأ خضوع الممارسة الإدارية لسلطة القانون كما يفسره القضاء. وأضاف أن المذكرة تشكل اعترافاً ضمنياً بأن منطق التحصيل، مهما كانت مبرراته، لا يمكن أن يسمو على مبدأ المشروعية، ولا أن يُبرر توسيع الوعاء الضريبي خارج حدود الواقعة المنشئة للضريبة. كما شدد على أن هذا التصحيح، رغم أهميته، لا يُنتج أثراً رجعياً تلقائياً، ولا يُرتب حق الاسترداد إلا عبر سلوك المساطر القانونية المخولة، مبرزاً أن الحقوق الجبائية لا تُمنح بقرار إداري، بل تُنتزع أحياناً عبر الطعن والمنازعة، متى ثبت أن الأداء فُرض أو استُخلص على أساس غير مشروع.

غير أن هذا التصحيح الإداري، على أهميته، يطرح إشكالاً قانونياً بالغ الدلالة، يتعلق بمصير واجبات التسجيل التي فُرضت واستخُلصت في السابق على أساس تأويل غير سليم، في الحالات التي لم يسلك فيها الخاضعون المساطر القانونية للطعن داخل الآجال. فالمذكرة، وإن أقرت ضمنياً بوجود انحراف في التطبيق، لا تُنتج أثراً رجعياً تلقائياً، ولا تفتح لوحدها باب الاسترداد لفائدة من اختاروا، طوعاً أو اضطراراً، أداء الواجبات دون منازعة. وهو ما يعيد طرح حقيقة راسخة في المادة الجبائية مفادها أن الحق لا تمنحه الإدارة من تلقاء نفسها، بل يُنتزع أحياناً عبر سلوك مساطر الطعن الإداري أو القضائي، متى كان الأداء محل شك أو مخالفاً للقانون. ومن هذه الزاوية، لا تخلو المذكرة من بعد تربوي غير مباشر، إذ تُذكّر الملزمين بأن القضاء يظل الضامن الأخير لتوازن العلاقة الجبائية، وأن اللجوء إلى المساطر القانونية ليس فعلاً تصادمياً، بل آلية مشروعة لحماية الحقوق كلما انحرفت الممارسة عن مقتضيات النص وروحه.

كما أن دعوة المدراء الجهويين والإقليميين إلى التقيد الصارم بمضامين المذكرة، مع مطالبتهم بإشعار الإدارة المركزية بأي صعوبات في التطبيق، تعكس وعياً متقدماً بخطورة الاجتهادات الفردية، وبالحاجة إلى توحيد الممارسة الإدارية، تفادياً لتفاوت المعاملة بين الملزمين من جهة، وتكريساً لمبدأ الأمن القانوني من جهة أخرى.

ولا ينبغي فهم هذا التوجه على أنه انتصار للملزم على حساب الخزينة العامة، أو تراجع عن حقوق الدولة في التحصيل، بل هو في جوهره إعادة ضبط دقيقة للتوازن بين حق الدولة في استخلاص مواردها، وحق المواطن في أن يخضع لضريبة عادلة، محددة، وقابلة للتوقع. فالجباية السليمة لا تُقاس فقط بحجم المداخيل، بل بمدى شرعيتها، وبقدرتها على بناء الثقة بدل إنتاج النزاع، وعلى تشجيع الامتثال الطوعي بدل تغذية الشعور بالغبن.

وفي هذا السياق، تؤكد المذكرة، التي تتوفر جريدة الوكالة على نسخة منها، أن هذه التوجيهات تندرج ضمن مسعى يروم توحيد التطبيق الجبائي على الصعيد الوطني، وضمان الانسجام بين الممارسة الإدارية والاجتهاد القضائي المستقر، مع التشديد على ضرورة التقيد الصارم بمضمونها من طرف مختلف مصالح التسجيل.

وجدير بالذكر أن هذه المذكرة تأتي في سياق أوسع تسعى فيه الإدارة الجبائية إلى تقليص منسوب النزاع، وتعزيز الأمن القانوني، وترسيخ مناخ من الثقة في علاقة الدولة بالملزمين، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لأي إصلاح جبائي حقيقي ومستدام.