









جبروت ووهبي وسؤال الأخلاق السياسية في زمن التسريبات
الوكالة
2025-07-21

بقلم: باحدة عبد الرزاق
تعيش الساحة السياسية المغربية على وقع جدل غير مسبوق، بعد تسريب معطيات ووثائق تتعلق بامتلاك وزير العدل عبد اللطيف وهبي لعقار فاخر بالرباط، قدرت قيمته السوقية بـ11 مليون درهم، واقتناؤه عبر قرض بنكي سنة 2020، ثم تفويته لزوجته في صيغة هبة صرح بها بقيمة لا تتجاوز مليون درهم. المعطيات، التي انتشرت تحت وسم “تسريبات جبروت”، أعادت طرح سؤال الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأثارت نقاشا قانونيا وأخلاقيا وسياسيا لم يهدأ بعد.
الوزير وهبي، في أول خرجة إعلامية مصورة، لم ينف الوقائع بل قدم روايته الخاصة، مؤطرا العملية في خانة الهبة، وليست البيع أو التفويت، مؤكدا أنه اقتنى العقار قبل توليه المنصب، وسدد أقساطه كاملة، ثم منحه لزوجته – التي لا تتوفر على دخل أو تقاعد – في إطار ما أسماه “الكد والسعاية” وتثمين العمل المنزلي. بالنسبة له، لا موجب قانوني لأي ضريبة في هذه الحالة، مادام لم يحقق من ورائها ربحا ولم يستفد ماليا. وذهب أبعد من ذلك، حين أبدى استعداده الكامل للخضوع لأي مراجعة ضريبية أو محاسبة قانونية، معتبرا أن إثارة القضية يدخل ضمن حملة انتقائية منظمة، تنطلق من خارج المغرب وتجد من يستثمر فيها داخليا لأغراض سياسية محضة.
في مقابل هذا الخطاب الدفاعي، برزت أصوات سياسية لم تفوت فرصة الهجوم على وهبي، وعلى رأسها عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي اعتبر أن الوزير قدم تصريحا ضريبيا مجافيا للقيمة الحقيقية للعقار، مما يعد، حسب قوله، تهربا صريحا من أداء واجبات الدولة، في خرق واضح للفصلين 39 و40 من الدستور ولمقتضيات المدونة العامة للضرائب، داعيا إلى استقالته كضرورة تفرضها الأخلاق السياسية ومبدأ دولة المؤسسات.
بعيدا عن التراشق المباشر، يضع هذا الملف المؤسسات أمام تحدٍ متعدد الأوجه: من جهة، يتعلق الأمر بمسؤول حكومي في موقع حساس، تتطلب منه وظيفته أن يجسد المعيار الأخلاقي قبل القانوني، لا سيما حين يتعلق الأمر بالتصرف في الممتلكات والقيم المصرح بها، والتي يمكن أن تفسر – بصرف النظر عن مشروعيتها القانونية – على أنها التفاف على القواعد الضريبية العامة. ومن جهة أخرى، تطرح التسريبات نفسها إشكالا أخطر: كيف خرجت هذه الوثائق إلى العلن؟ ومن يملك القدرة التقنية والمؤسساتية على الحصول على بيانات ذات طابع شخصي ومهني بهذا التفصيل؟ وما موقع الدولة من حماية معطيات مسؤولين فيها؟ وإذا كان الأمر مجرد خرق لمكاتب موثقين أو محامين، فهل تملك الجهات المعنية الشجاعة لفتح تحقيق شامل حول هذا الاختراق؟
الظاهرة التي حملت توقيع “جبروت” باتت أكثر من مجرد حساب رقمي مجهول الهوية. فهي اليوم أداة جديدة لصناعة الرأي، وتشويش المؤسسات، وإعادة تشكيل التوازنات السياسية خارج نطاق اللعبة الديمقراطية العلنية. ومن المؤكد أن مثل هذا النوع من “الحروب الرقمية”، التي تشتغل عبر التسريبات والضغط النفسي، تعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتطرح أسئلة جوهرية حول حدود حرية التعبير والمسؤولية، في ظل غياب إطار قانوني صريح يحدد كيفية التعامل مع المعطيات الخاصة حين تتحول إلى مادة إعلامية وسياسية.
بين الرواية الرسمية وردود الفعل السياسية، تبقى القضية مفتوحة على احتمالات متعددة: من الممكن أن تخفت بزوال الضغط الرقمي والإعلامي، أو تتحول إلى كرة ثلج قانونية إذا دخلت مؤسسات الرقابة والقضاء على الخط. كما أنها قد تبقى معلقة في منطقة رمادية، يتجاذبها منطق التأويل السياسي والقراءة الانتقائية للنصوص القانونية، دون أن تفرز حلا يرضي الرأي العام الباحث عن الوضوح وربط السلطة بالمسؤولية.
سواء ثبتت المخالفة أم لم تثبت، فالمؤكد أن الرأي العام لم يعد يتقبل التبريرات الشكلية، وأن المواطنين يتابعون هذه القضايا بأعين مختلفة، أكثر تشككا في النوايا، وأكثر حساسية تجاه صور الامتياز والمحاباة. وهي لحظة دقيقة تضع الدولة بكل مؤسساتها أمام مرآة صعبة، يكون فيها التفاعل الصامت مكلفا، والمحاسبة الانتقائية أشد كلفة.




