









تحديات متصاعدة أمام النفوذ الإيراني في لبنان وسط رهانات على إعادة رسم موازين القوى الإقليمية
الوكالة
2026-06-11

تشير تقديرات وتحليلات سياسية إلى أن إيران لا تزال تنظر إلى شبكة حلفائها الإقليميين باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجيتها الأمنية والسياسية، رغم المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والتحديات التي برزت في أعقاب المواجهات الأخيرة وما أفرزته من تحولات في موازين القوى والاصطفافات الإقليمية.
وبحسب هذه القراءات، تعتبر طهران أن علاقاتها مع القوى المنضوية ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، تمثل ورقة استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية واقتصادية، إذ تنظر إليها كوسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في معادلات الشرق الأوسط، مستفيدة من شبكة تحالفات امتدت لعقود وشكلت أحد أهم أدوات سياستها الخارجية.
ويرى محللون أن القيادة الإيرانية تسعى إلى استثمار ما تعتبره مكاسب تحققت خلال السنوات الماضية، سواء من خلال تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية أو عبر ترسيخ حضورها في عدد من الملفات الإقليمية، بما يسمح لها بالمطالبة بدور أكبر في صياغة التوازنات الجديدة في المنطقة. كما تستند، وفق هذه التحليلات، إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي وإلى أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية، فضلاً عن تقديراتها المتعلقة بطبيعة المواقف الأميركية وإمكانية تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات متزايدة على المستويين الإقليمي والداخلي، إذ يواجه النفوذ الإيراني في لبنان بيئة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً مما كان عليه في السابق، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية الرامية إلى الحد من قدرات حزب الله، وتواصل الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى تقليص مساحة النفوذ الإيراني داخل الساحة اللبنانية.
كما أن المساعي الرامية إلى تثبيت الاستقرار في لبنان وإعادة تعزيز دور مؤسسات الدولة، إلى جانب النقاشات السياسية الداخلية بشأن حصر السلاح بيد الدولة وتكريس سيادتها على مختلف الأراضي اللبنانية، تمثل، بحسب مراقبين، تحديات إضافية أمام استمرار النموذج التقليدي للعلاقة بين طهران وحلفائها في البلاد.
وتلفت تحليلات أخرى إلى أن تزايد الأصوات المنتقدة لحزب الله داخل لبنان، بما في ذلك داخل بعض البيئات التي كانت تشكل تقليدياً قاعدة داعمة له، يعكس تحولات اجتماعية وسياسية قد تؤثر مستقبلاً في طبيعة حضوره الداخلي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعيشها لبنان وما تفرضه من أولويات معيشية وتنموية على مختلف مكونات المجتمع.
ومن بين التحديات المطروحة أيضاً، استمرار القيود المفروضة على مسارات الإمداد اللوجستي ونقل الأسلحة، إضافة إلى المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفرض معطيات جديدة على آليات الدعم والتنسيق بين إيران وحلفائها الإقليميين.
وفي الجانب الاقتصادي، يثير عدد من الخبراء تساؤلات حول قدرة إيران على الاستمرار في تخصيص موارد مالية كبيرة لدعم حلفائها وإعادة بناء قدراتهم، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية داخلية وضغوطاً مرتبطة بالعقوبات والاحتياجات التنموية والاجتماعية، رغم أن التجربة السابقة أظهرت استعداد القيادة الإيرانية لمنح أولوية للحفاظ على نفوذها الإقليمي حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
كما يبرز داخل الأوساط البحثية نقاش متزايد حول مستقبل استراتيجية “الوكلاء”، ومدى جدواها مقارنة بتعزيز أدوات الردع الأخرى التي تمتلكها إيران، سواء المرتبطة بقدراتها الصاروخية أو برامجها العسكرية أو مكانتها الجيوسياسية، وهو نقاش تزايد حضوره مع التطورات الأمنية الأخيرة التي دفعت بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت طهران أصبحت مطالبة بحماية بعض حلفائها أكثر من اعتمادها عليهم كخط دفاع متقدم عن مصالحها.
ورغم هذه المعطيات، يرى عدد من المراقبين أن العلاقة بين إيران وحزب الله لا تزال تمثل خياراً استراتيجياً للطرفين يصعب الاستغناء عنه في المدى المنظور، بالنظر إلى تشابك المصالح السياسية والأمنية والعسكرية التي تراكمت على مدى سنوات طويلة، إضافة إلى غياب بدائل إقليمية يمكن أن توفر للحزب مستوى الدعم نفسه.
وفي المقابل، يعتبر محللون أن إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية قد تسعى إلى استثمار التحولات الراهنة لتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية وتقليص نفوذ القوى المسلحة خارج إطارها، بما قد يؤدي على المدى البعيد إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في لبنان وإضعاف النفوذ الإيراني تدريجياً، في إطار صراع إقليمي لا يزال مفتوحاً على سيناريوهات متعددة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية.




