تبون: من “الضغوط الدولية” إلى “القضية الأبدية”… ارتباك كبير في قصر المرادية

الوكالة

2025-10-12

في أحدث تصريحاته حول قضية الصحراء المغربية، كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن ملامح ارتباك سياسي ودبلوماسي غير مسبوق، حين تحدث عن “ضغوط دول عظمى” تمارس على بلاده من أجل تسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء، ملوّحا باستعداد الجزائر للقبول بأي حل يقبله الطرف الانفصالي، قبل أن يعود ليؤكد تمسكه الأبدي بما يسميه “القضية الصحراوية”. هذا التناقض الصارخ ليس مجرد زلة لسان سياسية، بل تعبير واضح عن مأزق دبلوماسي تعيشه الجزائر بعد أن وجدت نفسها محاصرة بعزلة دولية وتآكل في خطابها التقليدي الذي فقد بريقه وصدقيته.

تصريحات تبون تمثل، في عمقها، اعترافا غير مباشر بتحوّل موازين القوى في هذا الملف، وإقرارا بأن سياسة الهروب إلى الأمام لم تعد مجدية في ظل الإجماع الدولي المتنامي حول وجاهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والجاد وذي المصداقية الوحيدة القادرة على إنهاء هذا النزاع المفتعل. فحين يتحدث الرئيس الجزائري عن “ضغوط دول عظمى”، فهو يلمّح بوضوح إلى التحول في مواقف شركاء تقليديين مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا، الذين انتقلوا من الحياد الرمادي إلى دعم صريح للرؤية المغربية، إدراكا منهم بأن استمرار الجمود يخدم فقط نزعات الانفصال وعدم الاستقرار في المنطقة.

إن الجمع بين عبارتي “لا ينبغي أن نكون صحراويين أكثر من الصحراويين” و“لن نتخلى أبدا عن القضية” يجسد بامتياز ما يمكن تسميته بالخطاب الدبلوماسي المزدوج الذي تحاول الجزائر تسويقه في هذه المرحلة الحرجة. فهي من جهة توجه إشارات مرونة للخارج لإظهار الاستعداد للتعاطي الإيجابي مع أي تسوية سياسية، ومن جهة أخرى تُبقي على خطاب الصلابة أمام الداخل، حفاظا على تماسك المؤسسة العسكرية وطمأنة التيار المتشدد الذي يقوم عليه النظام السياسي منذ عقود.

هذا التناقض ليس وليد اللحظة، بل يعكس انتقال الجزائر من موقع الفعل إلى موقع ردّ الفعل. فبعد أن راهنت لعقود على أطروحة الانفصال لتبرير دورها الإقليمي، تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي جديد يتجه نحو الحلول التوافقية، حيث لم يعد من الممكن تسويق خطاب أيديولوجي متجاوز في وجه إجماع أممي يدعو إلى الواقعية والتعاون الإقليمي. وهنا يصبح تصريح تبون بمثابة اعتراف ضمني بأن الجزائر لم تعد تمتلك زمام المبادرة، وأنها تحاول فقط كسب الوقت وإعادة التموضع لتفادي العزلة الكاملة.

الواقع أن هذا الارتباك الخطابي يعكس وعيا متأخرا لدى صانع القرار الجزائري بأن المقاربة المغربية، المبنية على الإصلاح الداخلي، والتنمية الميدانية في الأقاليم الجنوبية، والدبلوماسية الهادئة والفاعلة، قد نجحت في ترسيخ صورة المغرب كقوة استقرار ومرجعية في الحلول الواقعية. في المقابل، بات الخطاب الجزائري أسير التناقضات، يتراوح بين لغة المظلومية والتشدد، دون أن يقدم بديلا قابلا للحياة.

لقد تجاوز الزمن الشعارات الانفصالية، وأصبح واضحا أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على منطق الوصاية أو الوهم، بل على منطق التعاون والواقعية. فالمغرب، بمبادرة الحكم الذاتي، قدم إطارا سياديا مرنا يضمن الكرامة والتنمية لكل أبناء الصحراء في ظل السيادة الوطنية. أما الجزائر، فبدلا من أن تعترف بمسؤوليتها في إطالة أمد النزاع، اختارت أن تواصل سياسة الخطابين: خطاب للاستهلاك الداخلي يلوّح بالثوابت، وخطاب خارجي يحاول التخفيف من عزلة تتسع يوما بعد يوم.

في المحصلة، تصريحات تبون ليست مؤشرا على انفتاح بقدر ما هي دليل على مأزق، ومحاولة لتقديم خطاب مزدوج يتماشى مع التحولات الدولية دون أن يفقد النظام شرعيته الداخلية. لكن الحقيقة تبقى ثابتة: المغرب انتصر دبلوماسيا وميدانيا، والعالم بات ينظر إلى مبادرته كمرجعية وحيدة للحل، فيما لا تملك الجزائر سوى لغتها المتناقضة التي تحاول بها تأجيل الاعتراف بالواقع الجديد الذي فرضته المملكة على الأرض وفي المحافل الدولية.