تاراخال حين تتحول الهجرة إلى مرآة للأسئلة المؤجلة

الوكالة

2026-08-01

محمد نشوان

في السياسة، نادرًا ما تكون الأحداث معزولة عن سياقاتها، وما شهده معبر تاراخال خلال الساعات الأخيرة، برًا وبحرًا، لا يبدو مجرد واقعة عابرة، بل محطة جديدة في ملف الهجرة غير النظامية الذي ظل، لسنوات، يتجاوز البعد الإنساني ليغدو ملفًا تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والدبلوماسية.

فالمشهد يعيد إلى الأذهان ما وقع سنة 2024، حين تحولت مدينة الفنيدق إلى وجهة لآلاف الشباب بعد دعوات واسعة الانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. آنذاك، نجح بعضهم في بلوغ الضفة الأخرى، فيما انتهت مغامرة آخرين بالفشل، لتظل أحلامهم معلقة بين أمواج البحر والأسلاك الحدودية.

اليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة. فبعد محاولات العبور، وجد عدد من المهاجرين أنفسهم يعودون إلى التراب المغربي في إطار اتفاقيات إعادة المهاجرين بين الرباط ومدريد، لتنتهي رحلة البحث عن مستقبل أفضل بواقع أكثر قسوة مما توقعه أصحابها.

ولا خلاف في أن حماية الحدود واجب سيادي تتحمله الدولة، وأن الحفاظ على الأمن مسؤولية لا يمكن التفريط فيها. غير أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، تظل معالجةً للنتائج أكثر من كونها علاجًا للأسباب. فالسؤال الحقيقي يبقى: لماذا أصبح آلاف الشباب يرون في الهجرة غير النظامية مشروعًا للحياة، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر؟

إن تنامي هذا الواقع يكشف عن تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة، تتصل بفرص الشغل، والعدالة المجالية، وجودة التعليم، وإمكانية الارتقاء الاجتماعي. فعندما يتراجع الأمل في بناء مستقبل داخل الوطن، يصبح البحر، في نظر كثيرين، خيارًا أقل قسوة من انتظار فرصة قد لا تأتي.

كما يبرز البعد التعليمي بوصفه أحد مفاتيح فهم الظاهرة، إذ تعكس شهادات عدد من المهاجرين محدودية فرص التكوين والتأهيل التي تسمح لهم بالاندماج في سوق الشغل، ما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن تغيير مصيرهم لا يمكن أن يتحقق إلا خارج حدود البلاد.

أما سياسيًا، فإن الهجرة لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت، في العديد من السياقات الدولية، ورقة تفاوض بين الدول، تُستعمل أحيانًا ضمن حسابات أوسع تتعلق بالأمن والتعاون والمصالح المشتركة، وهو ما تؤكده تجارب دول عديدة في محيطها الإقليمي والدولي.

وفي النهاية، فإن مشاهد تاراخال لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد محاولات لعبور الحدود، بل باعتبارها رسالة اجتماعية وسياسية تستحق الإنصات. فحماية الحدود ضرورة، لكن حماية الأمل داخل الوطن ضرورة أكبر. وبين الأمن والتنمية، يبقى الاستثمار في الإنسان، وخلق الفرص، وترسيخ العدالة الاجتماعية، الطريق الأكثر استدامة لتجفيف منابع الهجرة غير النظامية، بدل الاكتفاء بمواجهة نتائجها كلما تجددت…

تصنيفات