بسحب اعترافها بالبوليساريو… بوليفيا تفتح باب تفكك الحزام اللاتيني الداعم للانفصال

الوكالة

2026-02-25

باحدة عبد الرزاق

لم يكن قرار بوليفيا مجرد تعديل تقني في سجل الاعترافات، بل كان إشارة سياسية ثقيلة المعنى إلى أن المعسكر الذي تشكل في سبعينيات القرن الماضي دعما للأطروحة الانفصالية بدأ يفقد تماسكه التاريخي. ما صدر من لاباز يتجاوز تعليق اعتراف دام أربعة وأربعين عاما؛ إنه إعلان عملي بأن زمن الاصطفافات الإيديولوجية الصلبة في أمريكا اللاتينية يقترب من نهايته، وأن حسابات الدولة العميقة باتت تتقدم على حنين الشعارات.

خلال ذروة الحرب الباردة، استثمرت الجبهة الانفصالية في المد اليساري الذي اجتاح القارة، فوجدت في بعض العواصم سندا رمزيا أكثر منه قانونيا. كان الاعتراف آنذاك جزءا من خطاب تضامني عابر للقارات، يتغذى على مفردات التحرر ومناهضة الاستعمار، دون تمحيص دقيق في التعقيدات القانونية والسياسية للنزاع. غير أن التحولات التي شهدها العالم منذ مطلع الألفية، ومعها إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية لدول الجنوب، جعلت كثيرا من تلك المواقف تبدو أقرب إلى بقايا زمن منقض منها إلى تعبير عن مصالح راهنة.

القرار البوليفي يعكس هذا الانتقال من رفاقية الشعارات إلى واقعية الدولة. فهو لا يعلن فقط تعليق الاعتراف، بل يسحب بساطا رمزيا من تحت سردية ظلت تسوق باعتبارها إجماعا لاتينيا. ومع كل مراجعة سيادية جديدة، يتآكل ما يمكن تسميته بالمعسكر التاريخي الداعم للانفصال، ويتحول من كتلة متماسكة إلى مواقف متفرقة تتعرض لاختبارات متتالية. هذه الدينامية لا تضعف فقط الخطاب السياسي للخصوم، بل تعيد تشكيل البيئة الدبلوماسية المحيطة بالملف برمته.

في ميزان القوة الرمزية، كانت أمريكا اللاتينية تقدم طويلا كخزان دعم ثابت للأطروحة الانفصالية. اليوم، ومع كل دولة تعيد تقييم موقفها، تتقلص مساحة ذلك الخزان. سحب الاعتراف في هذا السياق لا يقرأ كقرار ثنائي بين الرباط ولاباز فحسب، بل كرسالة إلى بقية العواصم التي ما تزال مترددة بين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر. الرسالة واضحة: المصلحة الوطنية أولا، والشرعية الأممية إطارا وحيدا للحل.

الأثر الأعمق لهذا التحول لا يكمن فقط في عدد الدول التي تراجع مواقفها، بل في طبيعة اللحظة السياسية التي يحدث فيها. فحين تتزامن هذه المراجعات مع حراك دبلوماسي دولي نشط، فإنها تضع الأطروحة الانفصالية في موقع الدفاع، وتكشف هشاشة رهانها على الزمن. ما كان يعتقد أنه اصطفاف تاريخي ثابت يتبين أنه بناء هش، قابل للتفكك كلما تغيرت حسابات العواصم.

بهذا المعنى، يمكن القول إن قرار بوليفيا لا يمثل حادثا معزولا، بل حلقة في سلسلة تفكيك تدريجي لمعسكر تأسس على معادلات تجاوزها الواقع الدولي. وبينما يتراجع منطق الاصطفاف الإيديولوجي، يتقدم منطق الدولة الباحثة عن الاستقرار والشراكات المجدية. في هذا التحول تحديدا تتجلى عزلة الأطروحة الانفصالية، ليس بفعل خطاب مضاد، بل بفعل مراجعات سيادية متتالية تعيد رسم الخريطة الدبلوماسية في القارة اللاتينية.

تصنيفات