فسحة رمضانية بائعة اللبن تروي درسا في الأمانة ويقظة عمر بن الخطاب

الوكالة

2026-03-01

محمد نشوان

في إحدى ليالي شهر رمضان، خرج الخليفة عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الرعية برفقة خادمه أسلم، في جولة اعتاد القيام بها للوقوف على أوضاع الناس عن قرب. وبينما كان يسير في أحد أحياء المدينة، جلس ليستريح إلى جوار منزل بسيط، قبل أن يسترعي انتباهه حوار دار داخله بين أم وابنتها.

وبحسب الرواية المتداولة، طلبت الأم من ابنتها أن تمزج اللبن بالماء تمهيدا لبيعه في السوق، غير أن الفتاة رفضت الامتثال للأمر، مذكّرة بقرار أمير المؤمنين الذي نهى عن غش اللبن وشدد على منع بيعه إذا خُلط بالماء. حاولت الأم إقناعها بأن الأمر لن يُكتشف، معتبرة أن لا أحد يراهما في تلك اللحظة، إلا أن الابنة تمسكت بموقفها، مؤكدة أن غياب رقابة الناس لا يعني غياب رقابة الله، وأنها لن تقدم على فعل يتعارض مع الأمانة.

كان الخليفة يستمع إلى تفاصيل الحوار دون أن يُعرّف بنفسه، فتأثر بما أبدته الفتاة من وازع ديني وحرص على النزاهة، رغم بساطة حالها. وأمر خادمه بوضع علامة على المنزل للتعرف على أهله لاحقا، قبل أن يعود في اليوم الموالي للسؤال عن الفتاة وأخلاقها.

وعند عودته إلى بيته، عرض الأمر على أبنائه، مشيدا بما لمسه من صدق واستقامة، ومقترحا الارتباط بتلك الفتاة تقديرا لأخلاقها. فبادر ابنه عاصم إلى إبداء رغبته في الزواج منها، ليتم ذلك فعلا، في خطوة اعتُبرت تكريسا لقيمة الأمانة بعيدا عن اعتبارات الجاه أو المال.

وتشير المصادر إلى أن هذا الزواج أثمر لاحقا ذرية كان من أبرزها عمر بن عبدالعزيز، الذي عُرف بعد توليه الخلافة بعدله وزهده، حتى لُقب بخامس الخلفاء الراشدين، في دلالة رمزية على أن القيم الأخلاقية قد تصنع تحولات كبرى في مسار التاريخ.