









المواطنة في ظل التحولات الكونية
الوكالة
2025-07-29

بقلم الفنان الباحث
البشيري بنرابح
إن الحديث عن المواطنة بات مجرد ورقة تعريفية أو انتماء شكلي، باستحضار لعلاقة وجدانية وعقلية وروحية بين الإنسان وأرضه، بين المواطن ووطنه، بين الفرد والجماعة، بين الحرية والمسؤولية،وهي ليست منحة تُعطى، ولا شعارًا يُرفع، هي سلوك يُمارس وفعل يتجسد في كل لحظة يعيش فيها الإنسان داخل نسيج مجتمعه. منذ أن وُجدت المجتمعات البشرية والإنسان يسعى إلى الانتماء، إلى أن يكون جزءًا من كيان يُشعره بالأمان والمشاركة، وهذا ما عبّرت عنه الفلسفة منذ بداياتها، حين بدأت في تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الحاكم والمحكوم، بين الحقوق والواجبات.
في بلاد اليونان القديمة وُلدت بذور هذا المفهوم، غير أنها وُلدت ضمن سياق طبقي لا يعترف بالآخر، حيث اقتصر حق المواطنة على الرجل الحر من أصل يوناني، وكان يُمنع على المرأة والعبد والأجنبي أن يُعدوا من أبناء المدينة، هذا الإقصاء كشف عن فهم ضيق للمواطنة، فهمٍ يربطها بالدم والنسب لا بالفعل والانتماء، ومن هنا ظهرت ثلاث رؤى مختلفة في الفكر اليوناني حول معنى أن تكون مواطنًا، اختلفت بين من دعا إلى المدينة الفاضلة التي يحكمها العدل، وبين من دعا إلى المدينة الواقعية التي تقوم على المساواة السياسية، وبين من نادى بعالم إنساني مشترك تتساوى فيه الشعوب والأمم.
أفلاطون جعل من المواطنة شُعبة من شُعب العدالة، لا يمكن أن تقوم إلا إذا أُسس المجتمع على التربية والتطهير الأخلاقي، فالفرد في مدينته ليس حرًا بمفهومه الشخصي، دون أن يدرك انه حر بقدر ما ينسجم مع قوانين المدينة ويؤدي دوره بما يخدم المجموع، ولهذا كانت مدينته قائمة على النظام الصارم والتخصص في الوظائف، فالراعي لا يحق له أن يكون صانعًا، والحاكم لا يجوز له أن يشتغل بالتجارة، إنه تصور في نظري وإن كان مثاليًا من حيث سعيه إلى العدالة، فإنه أغفل الحرية الفردية، فجعل المواطن جزءًا من كل لا يملك من أمره شيئًا إلا طاعة النظام.
أما أرسطو فقد نظر إلى المواطنة من زاوية المشاركة، فالمواطن عنده هو من يملك القدرة على الحكم والخضوع للحكم، أي أنه يشارك في صياغة القرار العام، وله الحق في أن يُنتخب ويُشارك في مجالس المدينة. لكن أرسطو لم يخرج كثيرًا عن روح الطبقية، إذ ظل يُقصي من هذا الحق كل من لم يكن يونانيًا أو لم يكن حرًا. ومع ذلك فقد قدّم تصورًا أكثر واقعية من أستاذه أفلاطون، إذ أقر بأن العدالة لا يمكن أن تنفصل عن المساواة، وأن المواطنة ليست مجرد انتماء صوري بل فعل سياسي.
وجاءت المدرسة التي كسرت هذا الحاجز حين دعا بعض مفكريها إلى فكرة الانتماء الكوني، حيث الإنسان لا يُقاس بأصله ولا بلونه، وإنما هو قياس بفضيلته ووعيه، وهو ما يُفهم من دعوتهم إلى أن يكون الإنسان مواطنًا في الأرض كلها، لا في مدينة واحدة. هذه الدعوة كانت سابقة لعصرها، وفتحت الباب أمام تصورات إنسانية تجاوزت الحدود الضيقة للقبيلة أو المدينة.
لكن إذا انتقلنا من الفكر إلى الواقع، نجد أن مفهوم المواطنة ظل قرونًا حبيس الامتيازات والامتيازات المضادة، حتى جاء زمن الثورات التي دعت إلى الحرية والمساواة والعدل، فبدأت المواطنة تتخذ طابعًا قانونيًا وسياسيًا، وأصبح لكل فرد الحق في أن يكون جزءًا من وطنه، يشاركه آماله وآلامه، ويدافع عنه كما يدافع الوطن عنه.
غير أن العولمة التي اجتاحت العالم في العقود الأخيرة غيّرت ملامح هذا المفهوم، فقد أصبح الانتماء أكثر هشاشة، وتراجع الإحساس الجمعي لصالح الأنانية الرقمية، وصار المواطن يعيش بين عالمين، عالم واقعي فقد فيه القدرة على التأثير، وعالم افتراضي غارق في الاستهلاك والترفيه واللا معنى. وهذا ما أشار إليه المفكر المغربي المهدي المنجرة حين حذر من الغزو الثقافي الذي يستهدف تفكيك الهوية، خاصة لدى الشباب، عبر ترسيخ نمط من الحياة قائم على التقليد والتبعية، مما يزرع في النفس الشعور بالغربة في الوطن، ويُضعف ارتباط الفرد بمحيطه.
وفي ظل هذا السياق، تصبح المواطنة اليوم في محنة، إذ لم تعد مرتبطة بالفعل والتضحية، بل أصبحت عند كثيرين وسيلة للربح أو مطية للمصلحة. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو عن عمق هذا المعنى حين قال إن المواطنة ليست عقدًا سياسيًا فقط، بل هي عقد أخلاقي، عقد تُبرمه النفس مع المجتمع، من خلال احترام القيم والالتزام بها، من خلال الصدق والنزاهة والعمل المشترك، من خلال الإيمان بأن الوطن ليس مجرد أرض، ويؤكد ذكر كرامة وحقوق وواجبات.
وقد عبّر عن هذا المعنى أيضًا الرئيس الأمريكي جون كينيدي حين خاطب أبناء وطنه قائلاً لا تسأل ما الذي يمكن أن يقدمه لك وطنك بل اسأل ما الذي يمكنك أن تقدمه لوطنك. فالمواطنة بهذا المعنى ليست انتظارًا ولا طلبًا، بل هي مبادرة وعطاء وتضحية، هي فعل يسبق القول، هي ارتباط حي ومتجدد، هي إيمان بأن الوطن لا يُبنى بالكلام، وقد عرف البناء بالسواعد، لا يُعمر بالخطابات وإنما هي بالأعمال، لا يقوى بالحضور الشكلي وقد لزمت بالصدق والإخلاص.
وقد أكد الأستاذ حميد بركي في كتابه الكرسي والمواطنة على أن المواطنة لا تُفهم إلا من خلال التفاعل بين المواطن والوطن، فهي ليست صفة ساكنة بل حركة دائمة، ولفظة المواطنة كما جاء في تصوره مشتقة من الفعل المتبادل، فهي تداخل حيوي يقوم على خدمة الوطن وخدمة الإنسان في آنٍ واحد، تداخل يجعل من المواطن شريكًا في البناء لا مجرد متلقٍ للامتيازات.
غير أن هذا المعنى بدأ في التراجع في ظل الطفرة الرقمية، إذ صار الكثيرون يعيشون في عالم من الصور والأصوات، تغيب فيه الروح، وتُختزل فيه العلاقات، فلا وطن يُحس، ولا جماعة تُصان، وهي حسابات وصفحات ومواقف افتراضية لا تترك أثرًا في الواقع. لقد صار المواطن عبدًا لعالم لا مرئي، يسبح فيه بلا وعي، وينجرف مع تيارات لا يعرف من أين تأتي ولا إلى أين تمضي، مما جعلنا نفقد البوصلة، ونبتعد عن القيم التي بها تُبنى المجتمعات.
إن زمن العولمة بما يحمله من انفتاح وسرعة وانتقال، قد كشف عن ضعف التماسك الاجتماعي، وعن هشاشة الانتماء، وعن تراجع قيمة التضامن، مما يفرض علينا أن نعيد التفكير في معنى المواطنة، لا من زاوية القانون فقط، وهي زاوية الضمير والوعي. علينا أن نستعيد الإنسان المواطن، الإنسان الذي يشعر بالمسؤولية قبل أن يطالب بالحق، الإنسان الذي يرى في الوطن جسدًا واحدًا، لا مجموعة من الامتيازات.
وكما قال أفلاطون إن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا كان مواطنوها فاضلين، فإننا نقول اليوم إن المجتمعات لا تقوم على التقدم المادي وحده، بل على القيم التي تسكن القلوب والعقول، وعلى الشعور الصادق بالانتماء، وعلى الإيمان العميق بأن المواطنة قبل أن تكون جملة في دستور، هي حياة تُعاش بكل صدق ونبل وإخلاص.




