









المحكمة الدستورية وقانون المحاماة… اختبار جديد لاستقلالية الدفاع وحدود سلطة المشرع
الوكالة
2026-08-14

عبد الغني جبران
دخل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرحلة دستورية حاسمة، بعد إحالته على المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وذلك عقب استكمال مساره التشريعي داخل المؤسسة البرلمانية.
وتأتي هذه الإحالة في سياق نقاش واسع رافق المشروع منذ طرحه، بالنظر إلى حساسية مهنة المحاماة وموقعها داخل منظومة العدالة، باعتبارها إحدى أهم ضمانات حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
فالمعركة حول هذا النص لم تعد مجرد خلاف مهني بشأن بعض التفاصيل التنظيمية، وإنما أصبحت تطرح سؤالاً أعمق: إلى أي حد يستطيع المشرّع تنظيم مهنة المحاماة دون أن يتحول التنظيم إلى مدخل للمساس باستقلالية الدفاع؟
سن 45 سنة… المقتضى الأكثر إثارة للجدل
من بين أبرز المقتضيات التي استأثرت بالاهتمام تحديد سقف سن اجتياز مباراة المحاماة في 45 سنة، وهو مقتضى أثار نقاشاً واسعاً بشأن تكافؤ الفرص وحق خريجي القانون في الولوج إلى المهنة.
فالمؤيدون لهذا التحديد يرون فيه وسيلة لضمان مسار مهني أطول للممارسين الجدد، بينما يعتبر منتقدوه أن الكفاءة القانونية لا ينبغي أن تقاس بالسن وحده، خصوصاً بالنسبة إلى أشخاص راكموا تكويناً أكاديمياً أو تجربة مهنية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للمهنة.
وهنا تبرز إشكالية دستورية جوهرية تتعلق بمدى احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ومدى استناد التمييز المرتبط بالسن إلى مبررات موضوعية ومنطقية تتناسب مع الغاية التي يسعى إليها المشرّع.
التأديب والتدبير المالي… أين تنتهي الرقابة وتبدأ الاستقلالية؟
كما أثارت المقتضيات المتعلقة بالتأديب وتدبير حسابات وودائع المحامين، إلى جانب إعادة ترتيب بعض الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الهيئات المهنية والجهات الرقابية.
فالشفافية والحكامة المالية والتأديبية مطالب مشروعة لا خلاف حول أهميتها، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في كيفية تحقيق الرقابة الفعالة دون إضعاف استقلالية المهنة.
ومهنة المحاماة، بحكم اتصالها المباشر بحقوق المواطنين وحرياتهم، تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن المساءلة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية مؤسساتية تمنع أي تأثير غير مشروع على استقلال المحامي في أداء مهامه.
المحكمة الدستورية أمام امتحان دقيق
إحالة النص على المحكمة الدستورية لا تعني مسبقاً أن هناك مقتضيات غير دستورية، كما لا تعني أن المشروع أصبح بمنأى عن المراجعة. إنها، في جوهرها، محطة دستورية للتأكد من مدى انسجام التشريع مع المبادئ والقواعد التي يسمو بها الدستور.
والقرار الذي ستصدره المحكمة، أياً كان مضمونه، ستكون له أهمية تتجاوز مشروع القانون نفسه، لأنه قد يساهم في ترسيم حدود العلاقة بين سلطة المشرّع واستقلال المهن المرتبطة بالعدالة، ويقدم اجتهاداً مهماً بشأن شروط الولوج إلى المهن وتنظيمها.
إصلاح المهنة… نعم، ولكن دون المساس بجوهرها
لا شك أن مهنة المحاماة، مثل باقي المهن القانونية والقضائية، تحتاج إلى تحديث تشريعي يواكب التحولات التي تعرفها العدالة والمجتمع.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المقتضيات الجديدة، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الحكامة والاستقلالية، والمسؤولية والحرية المهنية، والرقابة وحماية حقوق الدفاع.
ومن هنا، فإن النقاش حول مشروع القانون رقم 66.23 ينبغي ألا يتحول إلى مواجهة بين المؤسسات أو إلى سجال مهني ضيق، بل إلى نقاش وطني هادئ حول مستقبل مهنة تشكل إحدى ركائز دولة القانون.
وفي انتظار قرار المحكمة الدستورية، يبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل يستطيع النص الجديد أن يحقق المعادلة الصعبة بين تنظيم المهنة وتعزيز الحكامة من جهة، وصون استقلالية الدفاع وضمانات المتقاضين من جهة أخرى؟
الإجابة لن تحدد فقط مستقبل بعض مقتضيات قانون المحاماة، وإنما قد ترسم أيضاً ملامح جديدة للتوازن بين التشريع واستقلال المهن المرتبطة بالعدالة في المغرب.




