









الكنيسة القبطية تكرس حرية زيارة القدس وتؤكد تمسكها بدعم الفلسطينيين
الوكالة
2026-06-20

أعاد ترحيب السفارة الأمريكية بالقاهرة باستئناف رحلات حج الأقباط المصريين إلى القدس المحتلة إثارة النقاش حول التطور الذي عرفه موقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من زيارة المدينة المقدسة، بعدما انتقلت من سياسة الرفض الصارم التي استمرت لعقود إلى موقف أكثر مرونة يترك قرار السفر للقدس لاجتهاد الأفراد واختياراتهم الشخصية، مع التشديد في الوقت نفسه على استمرار دعم القضية الفلسطينية ورفض أي مساس بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وجاء هذا الجدل عقب لقاء جمع القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى مصر، روبرت سيلفرمان، بالبابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حيث أعرب المسؤول الأمريكي عن شكره للكنيسة القبطية على استئناف رحلات الحج إلى القدس، مشيداً بما اعتبره خطوة مهمة في تعزيز التواصل الديني والإنساني. كما تطرق اللقاء إلى العلاقات التي تجمع مصر والولايات المتحدة وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفق ما ورد في بيان صادر عن السفارة الأمريكية بالقاهرة.
وفي تعليقه على الموضوع، أكد المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، القمص موسى إبراهيم، أن الكنيسة لا تمنع زيارة القدس سواء لأداء الشعائر الدينية أو لأغراض سياحية، موضحاً أن المؤسسة الكنسية لا تشرف على هذه الرحلات ولا تنظمها، كما لا تربطها أي ترتيبات أو تنسيقات خاصة بالجهات التي تتولى تنظيمها، مشيراً إلى أن قرار السفر يظل مسألة شخصية تخص كل فرد على حدة.
وشدد المسؤول الكنسي على أن موقف الكنيسة الحالي لا يتعارض مع التزامها التاريخي بالدفاع عن القضية الفلسطينية، موضحاً أن زيارة القدس لا تُنظر إليها فقط من زاوية دينية وروحية، بل يمكن أن تمثل أيضاً دعماً مباشراً للفلسطينيين من خلال تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في المدينة المقدسة، وتعزيز حضورها العربي والمسيحي في مواجهة محاولات طمس هويتها التاريخية.
وأوضح القمص موسى إبراهيم أن هذا التوجه يأتي كذلك استجابة لدعوات متكررة أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال السنوات الأخيرة، إذ دعا مراراً المسيحيين المصريين إلى زيارة القدس باعتبارها خطوة تضامنية مع الشعب الفلسطيني. وكان عباس قد وجه دعوة مباشرة للبابا تواضروس الثاني خلال لقائهما بالقاهرة في نونبر 2015، مؤكداً أن الزيارات الدينية للمدينة المقدسة تشكل رسالة دعم قوية للفلسطينيين في ظل الظروف السياسية الصعبة التي يعيشونها.
وفي السياق ذاته، ذكّر المتحدث باسم الكنيسة بأن الظروف الأمنية والسياسية تبقى عاملاً أساسياً في تنظيم هذه الزيارات، موضحاً أن أي تدهور للأوضاع الميدانية أو تصاعد للتوترات في القدس والأراضي الفلسطينية يجعل السفر أمراً صعباً أو مستحيلاً، وهو ما حدث في مناسبات عدة خلال السنوات الماضية.
ويعود الجدل بشأن زيارة الأقباط للقدس إلى عقود مضت، حين تبنى البابا شنودة الثالث موقفاً حازماً يقضي بعدم السفر إلى المدينة المقدسة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وجاء هذا القرار في سياق الرفض الكنسي والشعبي العربي لإعلان إسرائيل القدس عاصمة موحدة وأبدية لها سنة 1980، إضافة إلى النزاع التاريخي المرتبط بدير السلطان، أحد أبرز المواقع الدينية التابعة للكنيسة القبطية، والذي انتقلت السيطرة عليه إلى رهبان من الكنيسة الإثيوبية بدعم من السلطات الإسرائيلية.
وظل البابا شنودة الثالث متمسكاً بهذا الموقف طوال فترة قيادته للكنيسة الممتدة من سنة 1971 إلى غاية 2012، رافضاً زيارة القدس ومؤكداً أن دخولها يجب أن يتم في إطار حل عادل للقضية الفلسطينية. كما لم يقم سلفه البابا كيرلس السادس بزيارة المدينة المقدسة خلال فترة توليه الكرسي البابوي بين عامي 1959 و1971.
غير أن وصول البابا تواضروس الثاني إلى سدة القيادة الروحية للكنيسة القبطية فتح الباب أمام مقاربة مختلفة. ففي نونبر 2015، قام بزيارة استثنائية إلى القدس على رأس وفد كنسي رفيع المستوى للمشاركة في جنازة الأنبا إبراهام، مطران القدس والشرق الأدنى، الذي كان يحظى بمكانة خاصة داخل الكنيسة القبطية. وأكدت الكنيسة آنذاك أن الزيارة جاءت استجابة لوصية المطران الراحل ولا تعكس أي تغيير في الموقف الرسمي من القدس أو من القضية الفلسطينية.
وأمام الانتقادات التي أثارتها الزيارة في ذلك الوقت، سارعت الكنيسة إلى إصدار بيان أكدت فيه أن موقفها التاريخي لم يتغير، وأن زيارة البابا تمت في ظروف استثنائية، مع التشديد على أنه لم يدخل القدس بتأشيرة إسرائيلية، في خطوة أرادت من خلالها التأكيد على رفضها لأي شكل من أشكال التطبيع السياسي.
وخلال السنوات اللاحقة، تزايدت أعداد الأقباط المصريين الذين قصدوا القدس للمشاركة في احتفالات عيد القيامة وزيارة الأماكن المقدسة، خصوصاً خلال أسبوع الآلام، وهو ما عكس تحولاً عملياً في التعامل مع الملف، رغم غياب أي إعلان رسمي بإلغاء الموقف التاريخي السابق.
ويرى الكاتب والباحث المتخصص في الشأن القبطي، الدكتور سامح فوزي، أن ما تشهده الكنيسة اليوم يمثل انتقالاً من مرحلة كانت فيها المؤسسة الدينية تتدخل بشكل أكبر في توجيه مواقف أتباعها إلى مرحلة تمنح مساحة أوسع للحرية الفردية. وأوضح أن البابا شنودة كان ابن مرحلة اتسمت بالصراعات العربية الإسرائيلية الحادة، وهو ما انعكس على مواقفه تجاه القدس، بينما يتبنى البابا تواضروس رؤية أكثر انفتاحاً تقوم على احترام حرية التنقل والاختيار الشخصي.
وأضاف فوزي أن الكنيسة لم تصدر أي دعوات رسمية تشجع الأقباط على زيارة القدس، كما أن المجمع المقدس لم يعتمد أي قرار جديد يغير الموقف العقائدي أو السياسي التقليدي، مشيراً إلى أن التطور الحاصل يتمثل أساساً في رفع أي قيود أو تبعات كنسية كانت قد ترتبط بالسفر في السابق، دون أن يعني ذلك تبني موقف مؤيد للتطبيع مع إسرائيل.
وختم الباحث المصري بالتأكيد على أن الكنيسة القبطية ما زالت تحرص على مواءمة مواقفها مع الثوابت الوطنية المصرية ومع الإجماع الشعبي الداعم للحقوق الفلسطينية، معتبرة أن الانفتاح على حرية زيارة القدس لا يتناقض مع استمرار الدفاع عن القضية الفلسطينية أو مع التمسك بعروبة المدينة المقدسة ومكانتها الدينية والتاريخية.




