الفضاء الرقـــمي والعــــبور الجماعي..كيف حركت أزمة التواصل أزمة سبتة ومليلية

الوكالة

2026-08-19

الأستاذة لطيفة بوروضا باحثة قانونية

لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد قرار فردي يختمر في ذهن صاحبه خلف الأبواب المغلقة، بل تحولت في عصرنا الراهن إلى “تراند رقمي منظم” يصنع خلف شاشات الهواتف الذكية، وما شهدته حدود مدينة سبتة المحتلة مؤخرا من موجات عبور جماعي غير مسبوقة للشباب والقاصرين، يعد دليلا قاطعا على التأثير الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي، فرغم أن الدوافع التقليدية للهجرة تظل قائمة، إلا أن السمة الأبرز لهذه الأحداث كانت الانتقال المفاجئ من “افتراضية الدعوة إلى واقعية الاحتشاد”، مما وضع منصات التواصل الاجتماعي تحت مجهر المساءلة القانونية والأمنية والوهم الرقمي، صناعة الشائعة وتغيير الوقائع.

لقد كشفت أحداث سبتة أن الفضاء الافتراضي تحول من أداة للترفيه إلى غرف عمليات لإدارة التدفقات البشرية، حيث تتداخل شائعات فتح الحدود مع حملات التضليل الموجهة لتضع أمن الأفراد واستقرار الدول أمام اختبار تكنولوجي واجتماعي معقد، فكيف تحول الشباب من متصفحين للمحتوى إلى مندفعين نحو حواجز الأسلاك الشائكة؟

من الشاشة إلى الأسلاك الشائكة

تحول الشباب من “متصفحين للمحتوى الرقمي” إلى “مندفعين ميدانياً” نحو الحواجز والأسلاك الشائكة في أحداث سبتة، يمثل نموذجاً حياً لكيفية تحويل التعبئة الرقمية الافتراضية إلى فعل جماعي مفاجئ على أرض الواقع. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع آليات رقمية ونفسية واجتماعية متكاملة.

صناعة الوهم الرقمي

ساهمت الخوارزميات الموجهة في منصات مثل تيك توك وفيسبوك في خلق “فقاعات تصفح” تُظهر فيديوهات الهجرة والنجاح بشكل مكثف، بما يجعل المحتوى المرتبط بالهجرة حاضراً بصورة متكررة أمام المستخدم، ويعزز تدريجياً الإحساس بأن الهجرة الجماعية خيار متاح وسهل.

كما تحولت المنصات، في بعض الحالات، من مجرد ناقل للأخبار إلى فضاء لتبادل معلومات تفصيلية حول المسارات والطرق، بما في ذلك تداول خرائط ومعلومات جغرافية، الأمر الذي قد يمنح المستخدم شعوراً زائفاً بالقدرة على التحكم في رحلة محفوفة بالمخاطر.

وتساهم صورة أوروبا الانتقائية بدورها في تعميق هذا الوهم، إذ تتم مقارنة الواقع المحلي الصعب بصور براقة يتم تداولها رقمياً، بما يجعل أوروبا في المخيال الرقمي لبعض الشباب أقرب إلى صورة مثالية تتجاهل التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تنتظر المهاجر.

الشائعـــات القانــونية وصنـــاعة الإحســاس بالأمان

تساهم الشائعات والمعلومات القانونية المغلوطة في تعزيز الرغبة في المغامرة، خصوصاً عندما يجري تداول تفسيرات غير دقيقة لبعض القرارات أو الإجراءات القضائية الإسبانية المتعلقة بالمهاجرين، بما قد يخلق اعتقاداً بأن العواقب القانونية للعبور أصبحت محدودة أو أن الترحيل لم يعد ممكناً.

وهكذا تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى عنصر مؤثر في اتخاذ القرار، إذ لا تكتفي الشائعة بتقديم معلومة خاطئة، وإنما تعيد تشكيل تقدير الفرد للمخاطر، وتمنحه إحساساً زائفاً بأن المغامرة أصبحت أقل خطورة مما هي عليه في الواقع.

الحشد الرقمي وتحول الفرد إلى جزء من جماعة

تكتسب الدعوات الرقمية خطورتها عندما تنتقل من مجرد تداول المحتوى إلى تحديد مواعيد وأماكن للتحرك الجماعي، حيث يمكن لرسالة واحدة مجهولة المصدر أن تنتشر على نطاق واسع، فتخلق شعوراً بأن عدداً كبيراً من الأشخاص يستعدون للقيام بالفعل نفسه.

وفي هذه الحالة، يتراجع الشعور الفردي بالخوف، لأن الشاب أو القاصر يشعر بأنه لن يكون وحيداً في مواجهة المخاطر. وهنا تلعب سيكولوجية الحشود دوراً أساسياً، إذ يتحول القرار الفردي إلى سلوك جماعي، ويصبح ضغط الجماعة الرقمية عاملاً إضافياً في دفع الأفراد نحو المشاركة.

الاحتقان الاجتماعي وأزمة الثقة في المستقبل

لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بالمنصات الرقمية وحدها، لأن التكنولوجيا لا تخلق الأزمات الاجتماعية من العدم، وإنما قد تعمل على تسريعها وتضخيمها. فالشباب الذين يعيشون ضغوطاً اقتصادية واجتماعية ويواجهون صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل قد يكونون أكثر قابلية للتفاعل مع خطاب يعدهم بمخرج سريع من واقع يرونه مسدود الأفق.

وتزداد خطورة الوضع عندما يتحول التصفح اليومي للمحتوى الرقمي إلى آلية لمضاعفة الإحباط والمقارنة والشعور بالعجز، فتتحول الدعوات الرقمية في نظر البعض إلى ما يشبه “طوق نجاة” أو مخرج أخير، يحرك طاقة اجتماعية كامنة نحو المجهول.

التكنولوجيـــا كجســــر بين الفـــكرة والفعل

باختصار، تحول الشباب من التفرج إلى الاندفاع لأن التكنولوجيا نجحت في تقليص المسافة بين الفكرة والفعل؛ فتحول الضغط النفسي والاجتماعي، مدفوعاً أحياناً بالشائعات والمحتوى المضلل، إلى دافع حركي قاد آلاف القاصرين والشباب نحو مغامرة مجهولة العواقب على حدود سبتة.

وهذا التحول يفرض إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الفضاء الرقمي، ليس فقط باعتباره مجالاً للتواصل والترفيه، وإنما باعتباره فضاءً قادراً على التأثير في السلوك الجماعي وصناعة الاتجاهات الاجتماعية، بما يستدعي مقاربة تجمع بين التوعية الرقمية، ومكافحة التضليل، وتعزيز التربية الإعلامية، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل بعض الشباب أكثر قابلية للانجذاب إلى مثل هذه الدعوات.

سؤال يتجاوز الهجرة

إن هذه المؤشرات تتجاوز في دلالاتها ملف الهجرة غير النظامية، لأنها تكشف عن وجود طاقة اجتماعية كامنة داخل قطاع من الشباب المغربي، تمتلك قابلية مرتفعة للتحول عندما تتقاطع مشاعر الإحباط مع قوة التأثير الرقمي وانتشار الشائعات.

ومن هنا يطرح الأمر سؤالاً أعمق حول النموذج التنموي وقدرته على الاستجابة للتحولات الجديدة، وحول كيفية معالجة أزمة جيل “NEET”، أي الشباب خارج التعليم والتكوين والعمل، واحتواء طاقاتهم اقتصادياً واجتماعياً، بما يمنحهم أسباباً حقيقية للبقاء والمشاركة وبناء المستقبل بدل البحث عن الخلاص في مغامرات محفوفة بالمخاطر.

تصنيفات