









الصين ترسخ نفوذها في البحر الأحمر
الوكالة
2026-08-02

لم يعد البحر الأحمر بالنسبة للصين مجرد ممر بحري لعبور التجارة والطاقة، بل تحول خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أهم محاور استراتيجيتها الخارجية، في ظل تصاعد المنافسة الدولية على الممرات البحرية الحيوية، وتزايد التهديدات الأمنية التي تطال حركة الملاحة العالمية. هذا ما خلصت إليه دراسة أكاديمية أعدها الباحث السوداني في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، الدكتور جمال عبد الرحمن يسن رستم، والتي رصدت التحول العميق في السياسة الصينية تجاه المنطقة، وانتقالها من حضور اقتصادي محدود إلى نفوذ متعدد الأبعاد يجمع بين الاقتصاد والأمن والدبلوماسية.
وأوضحت الدراسة أن بكين أعادت صياغة مفهوم أمن البحر الأحمر ضمن ما تسميه “الأمن التنموي الشامل”، وهو تصور يقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الأمني، انطلاقاً من قناعة مفادها أن حماية الاستثمارات وضمان تدفق التجارة والطاقة يمثلان جزءاً من الأمن القومي الصيني. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي يحتلها البحر الأحمر، باعتباره ممراً رئيسياً يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وتعبر من خلاله نسبة مهمة من التجارة العالمية وإمدادات النفط والغاز، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصيني.
وتشير الدراسة إلى أن السياسة الصينية تجاه المنطقة مرت بأربع مراحل رئيسية. فقد اقتصر الحضور خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2008 على العلاقات الدبلوماسية والتعاون التجاري، قبل أن تدخل الصين مرحلة جديدة ابتداءً من عام 2008 عبر المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة بخليج عدن، ما وفر لها فرصة لاختبار قدراتها البحرية واكتساب خبرة ميدانية في حماية الملاحة الدولية.
أما المرحلة الثالثة، التي انطلقت مع إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” سنة 2013، فقد شكلت نقطة تحول حقيقية، حيث أصبح البحر الأحمر جزءاً أساسياً من المشروع الصيني الرامي إلى ربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بشبكة واسعة من الموانئ والطرق وخطوط النقل. وخلال هذه الفترة، رفعت بكين حجم استثماراتها في البنية التحتية والموانئ، ووقعت اتفاقيات تعاون مع عدد من الدول المطلة على البحر الأحمر، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً تمثلت في إنشاء أول قاعدة عسكرية خارج أراضيها في جيبوتي سنة 2017.
وأكد الباحث أن الصين اعتمدت في ترسيخ نفوذها على أدوات اقتصادية واسعة، من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية وتطوير الموانئ وإنشاء المناطق الصناعية وربطها بشبكات السكك الحديدية والطرق وخطوط الأنابيب، بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد ويعزز ارتباط اقتصادات المنطقة بالمصالح الصينية. كما اعتمدت بكين على قروض ميسرة وعقود امتياز طويلة الأمد، وهو ما منحها حضوراً اقتصادياً مؤثراً في عدد من الدول، لكنه أثار في المقابل نقاشاً واسعاً بشأن مخاطر ارتفاع المديونية وتعاظم النفوذ الصيني.
وتبرز الدراسة أن الموانئ تشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الصينية، إذ لا تقتصر أهميتها على النشاط التجاري، بل تؤدي أيضاً وظائف لوجستية وأمنية واستخباراتية، بما يسمح لبكين بحماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز قدرتها على التحرك في الممرات البحرية الدولية.
وفي الجانب الأمني، اعتبرت الدراسة أن افتتاح القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي يمثل أبرز مؤشر على التحول في العقيدة الاستراتيجية الصينية، إذ أصبحت هذه المنشأة تؤدي مهام دعم عمليات مكافحة القرصنة، وتأمين السفن التجارية، وجمع المعلومات، وإسناد عمليات حفظ السلام والإجلاء، فضلاً عن حماية المصالح الصينية في إفريقيا والشرق الأوسط. كما عززت الصين قدراتها البحرية وطورت برامج للتدريب العسكري والتعاون الدفاعي مع عدد من دول المنطقة، مع الحرص على تقديم وجودها العسكري باعتباره جزءاً من مساهمتها في حفظ الأمن والاستقرار وليس مشروعاً للتوسع العسكري.
ورصدت الدراسة تفاوت طبيعة الحضور الصيني بين الدول المطلة على البحر الأحمر. ففي مصر، ركزت الاستثمارات على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشاريع البنية التحتية والعاصمة الإدارية الجديدة، بينما تعد السعودية أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط، حيث توسعت الشراكة لتشمل الطاقة والصناعة والموانئ ومشاريع البحر الأحمر. أما جيبوتي، فتعد النموذج الأوضح للجمع بين الاستثمار الاقتصادي والوجود العسكري، من خلال تطوير ميناء دوراليه ومنطقة التجارة الحرة، إلى جانب احتضان أول قاعدة عسكرية صينية خارج البلاد.
وفي السودان، حافظت الصين على موقعها كشريك استراتيجي في قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية، مع استمرار التعاون الدفاعي، في حين عززت وجودها في إريتريا عبر الاستثمارات في التعدين والموانئ، وسط مؤشرات على اهتمامها بتوسيع حضورها الأمني مستقبلاً. أما في اليمن، فقد ظل النشاط الصيني محدوداً بفعل استمرار الحرب، مع احتفاظ بكين بعلاقات مع مختلف الأطراف واستعدادها للمشاركة في إعادة الإعمار عندما تسمح الظروف بذلك.
كما سلطت الدراسة الضوء على تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر، خاصة بين الصين والولايات المتحدة، التي تعتبر المنطقة جزءاً من نطاقها الأمني الحيوي. وأشارت إلى أن واشنطن تنظر بقلق إلى توسع النفوذ الصيني، خصوصاً بعد إنشاء قاعدة جيبوتي وتنامي الاستثمارات في الموانئ الاستراتيجية، بينما تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق بين توسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري وتجنب الصدام المباشر مع القوى الغربية، من خلال خطاب يقوم على عدم التدخل وتعزيز الشراكات التنموية.
وخلصت الدراسة إلى أن الصين نجحت في بناء نموذج متكامل يجمع بين القوة الاقتصادية والحضور الأمني والدبلوماسية، ما مكنها من ترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في البحر الأحمر. غير أن استمرار هذا النموذج، وفق الباحث، سيظل مرتبطاً بقدرة بكين على إدارة تنافسها مع القوى الكبرى، ومواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، والحد من تداعيات أزمات الديون، والتكيف مع بيئة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التوترات والصراعات، بما يجعل البحر الأحمر إحدى أكثر المناطق حساسية في معادلات التوازن الدولي خلال السنوات المقبلة.




