









السياسة الهادئة لجلالة الملك
الوكالة
2025-11-21

باحدة عبد الرزاق
صباح عيد الاستقلال في أحد مقاهي حيينا، كان الجو هادئا على غير العادة، إلا من صوت حفيف الصحف القديمة بين أيدي بعض الزبناء، ونسيم الصباح الذي يمر عبر الشبابيك المفتوحة. جلست أراقب المشهد، وإذ بحديث صغير يلتقط انتباهي: ثلاثة رجال مسنين يجلسون بالقرب مني، يتبادلون أطراف الحديث حول مسألة لم تكن يومية. قال أحدهم: «واش غادي يكون الخطاب اليوم؟» فأجابه صديقه مبتسما: «لا، عيد الاستقلال ما كاينش فيه الخطاب». لكن الرجل الذي سأل لم يكن يبحث عن البروتوكول أو الحدث الإعلامي، بل عن شيء أعمق: «يا ريت كون خطب اليوم… نعرفو المستجدات ديال مشروع الحكم الذاتي».
توقفت عند هذه اللحظة وتأملت. ما يثير الانتباه ليس الفضول البسيط، بل إدراك المواطنين لقوة الكلمة الملكية، وقيمة الصمت حين يختار الملك أن يصمت. هنا تكمن قوة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي قلما تتناولها وسائل الإعلام: قدرة هائلة على إدارة الدولة والملفات الكبرى بصمت طويل، بعيدا عن الأضواء، مع التحضير الدقيق لكل خطوة قبل أن تصبح كلمة معلنة.
إن السياسة الصامتة التي يمارسها الملك ليست مجرد أسلوب إداري، بل فن قيادة متكاملة. من مشروع الحكم الذاتي إلى القرار الأممي الأخير بخصوص الصحراء المغربية، ومن الدبلوماسية الإفريقية إلى التحولات الاقتصادية الكبرى، كل قرار يتخذ في صمت يترافق مع تخطيط استراتيجي دقيق، بناء تحالفات متينة، واستشراف اللحظة المثلى للإعلان عنها. هذه الطريقة لا تمنح الرؤية الفورية فحسب، بل تضمن استقرار الدولة وتوازنها أمام التحديات الإقليمية والدولية.
حتى في المشاريع الكبرى، مثل ميناء طنجة المتوسط، أو الطاقات المتجددة في نور بورزازات، أو الشبكات الحديثة للنقل، يظهر التأثير غير المباشر لصمت الملك: العمل بصبر طويل، الاستثمار في الأسس، ثم الإعلان عن النتائج حين تكون متينة ومستدامة. الصمت هنا ليس غيابا عن القرار، بل جزء من استراتيجية تعطي الكلمة حين تقال وزنا مضاعفا وتأثيرا حقيقيا.
إن القوة الحقيقية لجلالة الملك محمد السادس لا تكمن في الضجيج الإعلامي، بل في القدرة على تحويل الصمت إلى استراتيجية عمل، وتحويل الكلمة إلى لحظة تغيير حقيقية. وعندما يصمت، تشتغل الدولة بأمان وثبات، وعندما يتحدث، يعاد رسم أولويات الأمة ومسارها. هذه السياسة الصامتة، التي تعكس حكمة التقدير والدقة والهدوء الاستراتيجي، هي ما يجعل القيادة الملكية اليوم تجربة استثنائية، قادرة على صنع التوازن والاستقرار في مواجهة كل التحديات، وتحويل كل خطوة معلنة إلى أثر ملموس ومستمر.




