









السنة الأمازيغية: تقويم تاريخي يتحول إلى عيد للهوية والثقافة
الوكالة
2026-01-14

سلمى مخلص
مع مطلع شهر يناير من كل عام، تعود الاحتفالات بالسنة الأمازيغية لتنبض في البيوت والقرى والمدن المغربية، وتعيد معها أسئلة الهوية والذاكرة والارتباط بالأرض. ليست السنة الأمازيغية مجرد موعد احتفالي عابر، بل تقويم حضاري ضارب في القدم، يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ارتبط بالفلاحة ودورة الطبيعة، قبل أن يتحول اليوم إلى رمز ثقافي يعيد للأمازيغ خصوصيتهم في فسيفساء الهوية المغربية.
تنطلق السنة الأمازيغية في 13 يناير عادة، حيث تتزين المائدة بأطباق تقليدية تختلف من منطقة إلى أخرى: فـ“تاكلا” و“أوركيمن” و“كسكس سبع خضر” وغيرُها تحضر ليس فقط لإشباع البطون، بل لإحياء طقوس لها امتداد رمزي عميق؛ طقوس تُقرأ فيها الأمنيات لسنة خصبة، سلام، ومحاصيل وفيرة. وفي القرى الجبلية تحديداً، ما تزال العادات أكثر محافظة على بساطتها الأولى، حيث تجتمع العائلة حول النار وتُحكى الحكايات القديمة وتُستعاد أمثال الأجداد.
الأمازيغ، أو “إيمازيغن” كما يسمّون أنفسهم، ليسوا مجرد جماعة لغوية، بل مكوّن أساسي من مكونات شمال إفريقيا. تركوا بصمتهم في الموسيقى واللباس والعمران وحتى في أسماء الأماكن التي نحفظها يومياً دون أن نلتفت لجذورها. هويتهم لم تكن أبداً مشروعاً ضد أحد، بل كانت مشروعاً من أجل الاعتراف بالتعدد الذي شكّل المغرب عبر قرونه الطويلة.
في السنوات الأخيرة، أخذ الاحتفال بالسنة الأمازيغية بعداً أوسع. صارت المدارس تقيم أنشطة، والجمعيات تنظم مهرجانات صغيرة، وتحوّل اليوم إلى محطة للتأمل في الثقافة الأمازيغية: لغتها، فنونها، ورموزها. ولأن الثقافة لا تعيش إلا بالتداول، باتت هذه المناسبة فرصة للاقتراب من حروف تيفيناغ، والأغاني الأمازيغية، والرقصات التي تختزن ذاكرة القبيلة والجبال والسهول.
ورغم الحداثة وتغيّر أنماط العيش، ما زالت السنة الأمازيغية قادرة على أن تجمع بين الأجيال. الصغير يسمع من الكبير حكاية “يناير”، والجدّة تُعلّم حفيدتها طريقة إعداد الطبق التقليدي، والمدينة نفسها تتسع لطقوس الريف والجنوب والأطلس. هكذا تتحول المناسبة من مجرد تاريخ في التقويم إلى لحظة اعتراف جماعي بأن الهوية المغربية متعددة الروافد، وأن الغنى يكمن في الاختلاف لا في ذوبانه.
السنة الأمازيغية ليست فقط بداية عام جديد..هي عودة إلى الجذور، إلى علاقة الإنسان بالأرض، وإلى ذلك الخيط الدافئ الذي يربط الناس بذاكرتهم الأولى. في زمن السرعة والقطيعة، تقدم لنا هذه المناسبة درساً بسيطاً: لا مستقبل بلا ذاكرة، ولا تنمية بلا احترام للثقافة التي شكلت الإنسان في هذا المكان.



