









الحوزية بين دينامية التنمية الصناعية وإشكالات السلامة المهنية
الوكالة
2025-01-30

مراد مزراني _ الجديدة
يشهد إقليم الجديدة، وتحديدًا دائرة الحوزية ودوار السراغنة، حركية اقتصادية متسارعة مدفوعة بانتشار المستودعات والمعامل التي أصبحت تشكل نواة حقيقية للتنمية المحلية. فقد ساهمت هذه الوحدات الإنتاجية في توفير فرص عمل لعدد كبير من الشباب، ما أسهم في تقليص معدلات البطالة وتحسين الأوضاع المعيشية للأسر التي كانت تعاني من الهشاشة وعدم الاستقرار الاقتصادي.

لا يخفى على أحد الدور الحيوي الذي تلعبه هذه المنشآت في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، حيث أصبحت مصدر رزق لآلاف العاملين، ووفرت فرصًا حقيقية للتشغيل، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى اليد العاملة في القطاعات الإنتاجية المختلفة. ورغم هذا التطور، فإن هذه الدينامية الاقتصادية تفرض تحديات كبرى، سواء فيما يتعلق بضمان استدامة هذه الاستثمارات أو بتحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج واحترام الحقوق المهنية للعمال.

ورغم المساهمة الإيجابية لهذه المعامل والمستودعات في تحسين المؤشرات الاقتصادية محليًا، فإن سؤال السلامة المهنية يظل مطروحًا بحدة. فإلى أي مدى تلتزم هذه الوحدات الإنتاجية بالقوانين المنظمة للشغل، لا سيما فيما يتعلق بتوفير بيئة آمنة للعاملين؟

تشير العديد من المعطيات الميدانية إلى أن بعض هذه المنشآت لا تلتزم بالحد الأدنى من معايير السلامة، حيث يفتقر العديد منها إلى وسائل الحماية الضرورية، مثل أنظمة الوقاية من الحرائق، والتجهيزات الخاصة بحماية العمال من المخاطر المهنية. كما أن عدم تسجيل بعض العمال في الضمان الاجتماعي وعدم استفادتهم من التأمين الصحي يعكس هشاشة الإطار القانوني الذي يشتغلون فيه، مما يجعلهم عرضة للمخاطر دون أي ضمانات اجتماعية أو قانونية.
في ظل هذه التحديات، يبرز التساؤل حول مدى خضوع هذه المؤسسات الصناعية لمراقبة دورية من قبل الجهات المختصة، ومدى فعالية التدخلات الرقابية لضمان احترام معايير الصحة والسلامة المهنية. فغياب التفتيش الصارم وغياب العقوبات الرادعة قد يشجع بعض المستثمرين على التملص من التزاماتهم القانونية، مما يفاقم من إشكالية التشغيل غير المهيكل ويهدد حقوق العمال.
إن التنمية الاقتصادية لا تكتمل إلا إذا كانت مستدامة وقائمة على أسس تضمن حقوق العمال وتحميهم من المخاطر المهنية. فإذا كانت هذه المنشآت قد ساهمت في خلق دينامية اقتصادية بالمنطقة، فإن الرهان الأكبر هو جعل هذا النموذج أكثر عدالة واستدامة من خلال تعزيز الرقابة، وإلزام المشغلين بتوفير بيئة عمل آمنة، وضمان حقوق العمال وفقًا لما تنص عليه القوانين الوطنية والدولية.
لضمان نجاح هذه المشاريع الاقتصادية، لا بد من اعتماد مقاربة متكاملة تشمل:
تعزيز الرقابة والتفتيش لضمان التزام المعامل والمستودعات بمعايير السلامة المهنية.
إلزام المشغلين بتسجيل العمال في الضمان الاجتماعي وضمان استفادتهم من التغطية الصحية.
توفير دورات تدريبية للعاملين حول إجراءات الوقاية من المخاطر المهنية.
فرض عقوبات صارمة على المؤسسات المخالفة لضمان احترام القوانين المنظمة لسوق الشغل.
إن التحول الصناعي الذي تشهده الحوزية يشكل فرصة حقيقية لتعزيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل، لكنه يحتاج إلى رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الجانب الاجتماعي والحقوقي للعمال. فالمسؤولية مشتركة بين الدولة، المستثمرين، والمجتمع المدني لضمان بيئة إنتاجية عادلة وآمنة، بحيث تكون التنمية وسيلة لتحسين حياة المواطنين، لا على حساب سلامتهم وحقوقهم. فهل سنشهد قريبًا إجراءات ملموسة تجعل من هذه المعامل نموذجًا يُحتذى به في التوفيق بين الإنتاجية والمسؤولية الاجتماعية؟




