التحالف الاستراتيجي المغربي الأمريكي يعيد تشكيل ملامح النزاع حول الصحراء

الوكالة

2025-08-06

بقلم: باحدة عبد الرزاق

لم يكن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في دجنبر من سنة 2020، حدثا عابرا في سجل التحولات الجيوسياسية التي طبعت ملف الصحراء المغربية، بل شكل نقطة تحول مفصلية انتقل معها النزاع الإقليمي من منطقة ضبابية دبلوماسية إلى أفق أوضح تحكمه محددات الواقعية السياسية والتوازنات الدولية الجديدة. فالموقف الأمريكي، الذي توطد بتأكيدات لاحقة من شخصيات بارزة داخل الإدارة، لم يكن مجرد رد فعل سياسي ظرفي، وإنما تعبير صريح عن رؤية استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار الدور المحوري للمغرب في الاستقرار الإقليمي، وتترجم عمق الشراكة متعددة الأبعاد بين الرباط وواشنطن.

التحليل الهادئ لمجريات الأحداث منذ ذلك التاريخ، يكشف أن الخطوة الأمريكية أطلقت دينامية دولية قلصت من هوامش المناورة أمام الأطروحة الانفصالية، ودفعت باتجاه تقليص الخريطة الداعمة لها، خاصة في أمريكا اللاتينية، وعدد من دول القارة الإفريقية، وبعض الدوائر السياسية الإسكندنافية. ولا يخفى أن 22 دولة أوروبية أضحت اليوم تعتبر مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب، إطارا وحيدا جادا وواقعيا لتسوية هذا النزاع الإقليمي، وهو ما يعكس تحولا عميقا في الرؤية الدولية، التي باتت أكثر انسجامًا مع مقاربات الحل الواقعي والسيادي.

وفي خضم هذا الزخم المتصاعد، جاء التأكيد الأخير للإدارة الأمريكية على الاعتراف الثابت بسيادة المغرب على صحرائه، ليكرس مسارا دبلوماسيا استراتيجيا، تتعزز فيه الشرعية القانونية والسياسية لمبادرة الحكم الذاتي، وتترجم فيه الالتزامات الأمريكية إلى دعم تنموي حقيقي، من خلال تخصيص غلاف مالي استثماري بقيمة 5 مليارات دولار لفائدة المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية. وهو ما يبعث برسالة واضحة إلى المنتظم الدولي مفادها أن واشنطن لا تكتفي بالمواقف الرمزية، بل تدعم على الأرض مشروعا سياديا متكامل الأبعاد، سياسيا وتنمويا وأمنيا.

في السياق ذاته، لا يمكن عزل هذا التموقع الأمريكي عن التصريحات المتواترة لمستشاري الإدارة، وعلى رأسهم مسعد بولس، الذي شدد على أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الإطار الوحيد للحل، في انسجام تام مع روح القرارات الأممية. كما أكد أن المغرب يظل شريكا استراتيجيا محوريا للولايات المتحدة، نظير أدواره البناءة في القضايا الإفريقية والشرق أوسطية، وهو ما يعكس عمق التحالف الذي يتجاوز مسألة الصحراء إلى أفق تعاون طويل الأمد مبني على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة للأمن والاستقرار في محيط مضطرب.

إن هذه التحولات العميقة لا يمكن قراءتها إلا في سياق تآكل الأطروحة الانفصالية، واتساع دائرة الاقتناع الدولي بأن الحل لا يمكن أن ينبني إلا على الواقعية السياسية، واحترام سيادة الدول، وتثبيت الأمن والاستقرار في منطقة استراتيجية تطل على إفريقيا جنوب الصحراء والمتوسط والأطلسي. وقد كان للمغرب، بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، الفضل في بناء هذا التراكم الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، الذي مكن الرباط من ترسيخ مكانتها كشريك موثوق وفاعل دولي متزن.

إن موقف الولايات المتحدة، بما يحمله من رمزية سياسية وقوة قانونية، لم يعد اليوم محل سجال، بل أضحى قاعدة صلبة في معادلة تسوية النزاع، تؤسس لمرحلة جديدة يترسخ فيها الحكم الذاتي كأفق نهائي، لا رجعة فيه، لحل قضية الصحراء المغربية.