البرنوصي.. الرصيف للبيع؟ سناك يحاصر المارة ويدفعهم إلى قلب خطر الطريق

الوكالة

2026-09-09

محمد البشيري

في البرنوصي، لم يعد السؤال فقط: أين يسير الراجلون؟ بل أصبح السؤال الأكثر استفزازاً: لمن أصبح الرصيف؟

بشارع أحمد بن باسو، يبدو أن جزءاً من الرصيف فقد وظيفته الأصلية. فبدل أن يكون ممراً آمناً للمواطنين، تحول أمام أحد محلات المأكولات إلى فضاء تستقر فيه الطاولات والكراسي والتجهيزات، بينما وجد الراجلون أنفسهم مضطرين إلى النزول إلى الطريق ومشاركة السيارات مساحتها.

المشهد لا يحتاج إلى كثير من التأويل. مواطن يريد المرور، فيجد الرصيف محتلاً. يحاول تجاوز العائق، فيضطر إلى الاقتراب من السيارات. طفل صغير، شخص مسن أو مواطن من ذوي الإعاقة، قد يجد نفسه في مواجهة خطر لم يختره أصلاً.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: من أعطى الحق في تحويل الرصيف إلى امتداد لنشاط تجاري؟ وهل هناك ترخيص لاستغلال هذا الجزء من الملك العمومي؟ وإذا كان هناك ترخيص، فهل يحترم المساحة التي يجب أن تبقى مفتوحة أمام الراجلين؟ وإذا لم يكن هناك ترخيص، فمن يراقب؟ ومن يتدخل؟ ومن يحمي حق المواطن في استعمال الرصيف؟

أسئلة بسيطة، لكنها ثقيلة بما يكفي لإرباك أي مدينة تضع سلامة المواطنين في مقدمة أولوياتها.

فالملك العمومي ليس مساحة شاغرة يمكن أن يتمدد فيها النشاط التجاري كلما اتسعت شهية الاستغلال. والرصيف ليس “حديقة خلفية” للمحلات، ولا مساحة إضافية توضع فيها الكراسي والطاولات بينما يُطلب من المواطن أن يبحث عن مكان آخر للمرور.

والأكثر استفزازاً أن المواطن هو من يتحمل النتيجة في النهاية. صاحب المحل يمارس نشاطه، والزبون يجلس مرتاحاً، أما الراجل فينزل إلى الطريق، يراقب السيارات ويتحاشى حركة المرور، فقط لأنه لم يجد مكاناً كافياً يمشي فيه.

فهل أصبح المواطن مطالباً بالتنازل عن الرصيف حتى يستمر النشاط التجاري؟

ولا تقف الصورة عند حدود احتلال الممر. فبحسب إفادات مواطنين، فإن محيط المحل يعرف أيضاً بقاء مخلفات وروائح غير مستحبة بعد انتهاء النشاط، بما يزيد من حدة الاستياء ويطرح بدوره سؤالاً حول شروط النظافة وحماية البيئة الحضرية.

المسألة، إذن، ليست حرباً على التجارة، ولا دعوة إلى إغلاق المحلات. التجار لهم حقوقهم، والمواطنون لهم حقوقهم أيضاً. لكن عندما يتعارض النشاط التجاري مع حق أساسي في المرور الآمن، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: من يحمي الطرف الذي لا يملك محلاً ولا طاولة ولا كرسياً ولا مساحة خاصة يدافع عنها؟

إنه المواطن العادي.

ذلك المواطن الذي يدفع الضرائب، ويستعمل الشارع، ويمشي فوق رصيف يفترض أنه أنجز من أجل سلامته، قبل أن يكتشف أن عليه النزول إلى الطريق لأن الرصيف أصبح مشغولاً بشيء آخر.

وهنا تحديداً يجب أن تتحرك السلطات المحلية والمصالح المختصة، ليس بمنطق التضييق على التجار، وإنما بمنطق تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. المطلوب واضح: معاينة ميدانية، التحقق من قانونية استغلال الملك العمومي، التأكد من احترام شروط السلامة والنظافة، وإعادة الرصيف إلى وظيفته الأصلية إذا ثبت وجود تجاوز.

لأن أخطر ما في هذه المشاهد ليس طاولة ولا كرسياً.

الأخطر هو أن يعتاد الناس عليها.

أن يصبح احتلال الرصيف أمراً عادياً، وأن يصبح نزول المواطن إلى الطريق مشهداً مألوفاً، وأن تتحول الفوضى الصغيرة إلى قاعدة لا يجرؤ أحد على مساءلتها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً: إذا كان الرصيف مخصصاً للراجلين، فمن سمح بأن يجلس فوقه الآخرون؟

وفي البرنوصي، هل نحن أمام مجرد احتلال للرصيف… أم أمام سؤال أكبر يتعلق بمن يملك الحق في المدينة؟

تصنيفات