









الانتخابات المقبلة على محك ثقة المغاربة
الوكالة
2026-09-05

سلمى مخلص
مع اقتراب موعد الانتخابات، يعود النقاش السياسي إلى الواجهة، وتستعد الأحزاب لتكثيف تحركاتها الميدانية ولقاءاتها مع المواطنين، بالتزامن مع ارتفاع منسوب التصريحات والوعود والبرامج التي عادة ما ترافق الاستحقاقات الانتخابية.
غير أن ما يفرض نفسه هذه المرة لا يرتبط فقط بطبيعة المنافسة بين الأحزاب أو بالتحالفات التي قد تفرزها صناديق الاقتراع، وإنما بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة المواطن وإقناعه بأن المشاركة الانتخابية يمكن أن تفضي إلى تغيير ملموس في تدبير الشأن العام.
ويجد الناخب المغربي نفسه أمام انتظارات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، بعدما أصبحت القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية وغلاء المعيشة وفرص الشغل والتعليم والصحة والسكن وجودة الخدمات العمومية في صدارة انشغالاته اليومية. وهي ملفات تجعل المواطن أكثر ميلا إلى تقييم البرامج من خلال قابليتها للتنفيذ ونتائجها المتوقعة، بدل الاكتفاء بالشعارات والوعود الانتخابية.
ومن المرتقب أن تشكل الانتخابات المقبلة، في جانب كبير منها، مناسبة لتقييم حصيلة المرحلة الحكومية الحالية، إذ ستجد الأحزاب نفسها مطالبة بتقديم حساب واضح عما تحقق خلال فترة تدبيرها للشأن العام، وما تعذر إنجازه، والأسباب التي حالت دون تنفيذ بعض الالتزامات التي سبق الإعلان عنها.
ولن يكون تقديم برامج جديدة كافيا، ما لم تتضمن تصورات دقيقة بشأن آليات التنفيذ والتمويل والآجال، إلى جانب تحديد المسؤوليات بشكل واضح، حتى يتمكن الناخب من التمييز بين الوعود القابلة للتحقق وتلك التي تظل مجرد شعارات انتخابية.
ويبدو أن الناخب المغربي أصبح أكثر حذرا في تعاطيه مع الخطاب السياسي، إذ لم يعد السؤال مقتصرا على ما تقترحه الأحزاب للمستقبل، بل بات يمتد إلى ما أنجزته خلال وجودها في مواقع المسؤولية. وهو تحول يضع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أمام اختبار حقيقي، ويجعل النتائج المحققة معيارا أساسيا للحكم على أداء المنتخبين والمسؤولين.
وفي هذا السياق، تبرز مشاركة الشباب باعتبارها واحدة من أبرز الرهانات المطروحة على الأحزاب، خاصة في ظل استمرار مظاهر العزوف عن العمل والمشاركة السياسية لدى فئات من هذه الشريحة. ولا يمكن اختزال هذا العزوف في عدم الاهتمام بالشأن العام، إذ قد يرتبط أيضا بضعف الثقة في قدرة المؤسسات والفاعلين السياسيين على تقديم حلول عملية لمشاكل الشباب.
فالشاب الذي يبحث عن عمل أو يواجه صعوبات في بناء مستقبله المهني والاجتماعي، سيكون أكثر اهتماما بما تقترحه الأحزاب من حلول ملموسة في مجالات التشغيل والتكوين وتحسين ظروف العيش، بدل الاكتفاء بخطابات عامة لا يجد صداها في واقعه اليومي.
ومن ثم، فإن استعادة ثقة هذه الفئة تتطلب، إلى جانب تجديد الخطاب السياسي، تقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، وإشراك الشباب في النقاش العمومي وفي صناعة القرار، بدل التعامل معه فقط باعتباره كتلة انتخابية تظهر أهميتها خلال الحملات الانتخابية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، ينتظر أن تتسابق الأحزاب إلى تقديم برامجها ومحاولة إقناع الناخبين بقدرتها على قيادة المرحلة المقبلة، غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى قدرة هذه الأحزاب على الإجابة عن الأسئلة التي تشغل المواطن، وعلى رأسها كيفية تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
فالانتخابات لا تنتهي بإغلاق مكاتب التصويت وإعلان النتائج، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر صعوبة، تتعلق بتحويل البرامج والوعود إلى سياسات عمومية وقرارات قابلة للتنفيذ، ثم إخضاع نتائجها للتقييم والمساءلة.
وبذلك، لن يكون التحدي أمام الأحزاب هو الفوز بالمقاعد فقط، وإنما الحفاظ على ثقة الناخب التي منحتها تلك المقاعد. فالمواطن لا ينتظر بالضرورة وعودا استثنائية أو حلولا سحرية، بقدر ما يبحث عن خطاب سياسي صادق، وبرامج واقعية، ومسؤولين قادرين على تحمل مسؤولياتهم وربطها بالنتائج.
وعندما تفتح صناديق الاقتراع أبوابها، لن يكون السؤال الوحيد هو من سيفوز بالانتخابات، وإنما ماذا سيفعل الفائز بثقة المواطنين بعد إعلان النتائج. ذلك أن قيمة أي استحقاق انتخابي لا تقاس فقط بتغيير الأسماء أو موازين الأغلبية، وإنما بما يمكن أن يترتب عنه من تحسين في تدبير الشأن العام وانعكاس مباشر على حياة المواطنين.
وبين وعود الحملات الانتخابية وانتظارات المواطنين، سيكون الرهان الأكبر هو تحويل الثقة التي تمنحها صناديق الاقتراع إلى التزام سياسي فعلي، يجعل من النتائج المحققة المعيار الأساسي للحكم على الأداء، ومن خدمة المواطن الغاية الأولى لأي مسؤول منتخب.




