









الأمواج تحصد أحلام الشباب.. حين تصبح السباحة نحو المجهول أرحم من الانتظار
الوكالة
2026-08-02

عبد الغني جبران
لم تعد أمواج البحر الأبيض المتوسط مجرد حدود طبيعية تفصل بين ضفتين، بل تحولت في نظر آلاف الشباب إلى آخر محطة بين اليأس والأمل، وبين الوطن والمجهول. وما شهدته مدينة الفنيدق من محاولات جماعية للهجرة غير النظامية لم يكن مجرد حدث عابر، بل صرخة مدوية تكشف حجم الأزمة التي يعيشها جزء من الشباب المغربي.
حين يقرر شاب أن يرتمي في عرض البحر، فهو لا يتحدى الأمواج فقط، بل يعلن، بطريقته الخاصة، أنه فقد الثقة في أن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل وطنه. إنها لحظة قاسية تختلط فيها الأحلام بالخوف، ويغلب فيها اليأس غريزة البقاء.
ولا يمكن اختزال هذه المأساة في الفقر أو البطالة وحدهما، فالأمر يتجاوز ذلك إلى شعور متزايد بانسداد الأفق، وضعف الثقة في المؤسسات، وتراجع الإحساس بأن الجهد والدراسة والكفاءة كافية لفتح أبواب المستقبل. فحين يشعر الشاب بأن الطريق إلى الكرامة أصبح أطول من الطريق إلى البحر، تبدأ المأساة الحقيقية.
ومن منظور حقوقي، فإن الحق في الحياة لا يقتصر على حماية الإنسان من الغرق، بل يبدأ بضمان شروط العيش الكريم. فالحق في التعليم الجيد، والحق في الصحة، والحق في الشغل، والحق في تكافؤ الفرص، كلها حقوق مترابطة، وعندما تضعف هذه الحقوق يصبح اليأس بيئة خصبة لمثل هذه المغامرات.
وفي المقابل، لا يجوز تحويل الهجرة غير النظامية إلى بطولة أو إلى حلم يُسوَّق عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فخلف الصور التي تُروى عن “الوصول” توجد قصص كثيرة عن الغرق، والاستغلال، والاختفاء، والمعاناة، وانكسار الأحلام.
كما أن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على التدخلات الأمنية، رغم أهميتها في حماية الأرواح وتطبيق القانون، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تجعل من الشباب محورًا للسياسات العمومية، وتفتح أمامهم آفاقًا حقيقية للمشاركة والإنتاج والإبداع.
إن ما جرى في الفنيدق يجب أن يكون جرس إنذار للجميع؛ للدولة، والأحزاب، والمجتمع المدني، والإعلام، والأسرة، والمؤسسات التعليمية. فكل طرف يتحمل جزءًا من المسؤولية في إعادة بناء الثقة، وإحياء الأمل، وتجديد الإيمان بأن الوطن قادر على احتضان أحلام أبنائه.
إن الوطن لا يخسر فقط عندما يغرق أحد شبابه في البحر، بل يخسر عندما يصل هذا الشاب إلى قناعة بأن البحر، بكل مخاطره، أصبح أكثر رحمة من انتظار فرصة قد لا تأتي.
فإن كانت الغاية وقف قوارب الموت، فالحل أن تعاد للشباب أسباب الحياة، وأن يجعل من الأمل مشروعًا وطنيًا، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. فالأوطان تُبنى بشباب يؤمنون بمستقبلهم داخلها، لا بشباب يودعونها وهم يطاردون سرابًا قد ينتهي في قاع البحر.




