









اختناق داخل حفرة يفضح شبكة للتنقيب عن الكنوز بالشلالات
الوكالة
2026-08-06

عبدالكريم الحساني
تحولت واقعة نقل شخص في حالة صحية حرجة إلى محيط مستشفى المنصور بمنطقة سيدي البرنوصي بالدار البيضاء، قبل أن يفارق الحياة داخل المؤسسة الاستشفائية، إلى ملف جنائي معقد كشف عن نشاط مجموعة يشتبه في تورطها في التنقيب غير المشروع عن الكنوز بمنطقة الشلالات، قبل أن تتم إحالة القضية على مصالح الدرك الملكي للاختصاص الترابي، تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وتعود تفاصيل القضية إلى الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، قبيل أذان الفجر، حين توقفت سيارة خفيفة بالقرب من المدخل الرئيسي لمستشفى المنصور، حيث عمد شخصان كانا على متنها إلى إنزال رجل كان في حالة إغماء وفاقدا للوعي، قبل أن يغادرا المكان بسرعة وفي ظروف أثارت شكوك العاملين بالمؤسسة الصحية. وبمجرد معاينة وضعية الضحية، سارع عناصر الأمن الخاص إلى إشعار المصالح الأمنية المختصة، التي انتقلت إلى المكان في وقت وجيز.
وحلت بعين المكان عناصر الأمن لدائرة أناسي، التابعة للمنطقة الأمنية سيدي البرنوصي، حيث جرى نقل الضحية على وجه السرعة إلى قسم المستعجلات، غير أنه لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرا بحالته الصحية رغم محاولات إنقاذه. وعلى إثر الوفاة، جرى إشعار مصالح الشرطة القضائية، التي باشرت بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة، بمشاركة عناصر الشرطة العلمية والتقنية التي أنجزت المعاينات اللازمة ورفعت مختلف الآثار والخبرات التقنية التي يمكن أن تفيد في كشف ملابسات الواقعة.
ولم تتعامل المصالح الأمنية مع القضية في بدايتها باعتبارها وفاة عادية، إذ انصبت الأبحاث على تحديد هوية الشخصين اللذين نقلا الضحية إلى المستشفى، وكذا السيارة التي استعملاها، من خلال استغلال تسجيلات كاميرات المراقبة والمعطيات التقنية المتوفرة. وأسفرت التحريات، في وقت وجيز، عن تحديد هوية السيارة ومستعملها، قبل الوصول إلى الشخص الذي كان برفقتها، والذي عاد رفقة عائلة الضحية و تبين أنه من معارفه.
وخلال الاستماع إليه في إطار البحث التمهيدي، كشف المشتبه فيه معطيات غيرت مسار القضية بالكامل، بعدما صرح بأن الضحية كان ضمن مجموعة من الأشخاص انتقلت إلى منطقة الشلالات من أجل القيام بعملية تنقيب عن كنز مزعوم داخل حفرة عميقة، قبل أن يتعرض لاختناق أثناء وجوده في قاع الحفرة، الأمر الذي دفع مرافقيه إلى إخراجه ومحاولة نقله إلى المستشفى أملا في إنقاذ حياته، غير أنهم غادروا المكان مباشرة بعد إنزاله أمام المؤسسة الصحية.
وبعد إشعار النيابة العامة المختصة بهذه المستجدات، تبين أن الوقائع التي أدت إلى وفاة الضحية جرت بمنطقة الشلالات، الواقعة ضمن النفوذ الترابي للدرك الملكي، ليصدر قرار بإحالة الملف وجميع المحاضر والمعطيات المنجزة إلى مصالح الدرك الملكي المختصة ترابيا، من أجل مواصلة البحث القضائي في إطار الاختصاص القانوني.
وانتقلت عناصر الدرك الملكي إلى المكان الذي حددته الأبحاث، حيث أجرت معاينات ميدانية دقيقة انتهت إلى العثور على حفرة وسط منطقة مهجورة، يتراوح عمقها بين ستة وسبعة أمتار، وتشير المعطيات الأولية إلى أنها كانت تستعمل في عمليات الحفر والتنقيب عن كنز مزعوم. كما يرجح، وفق نتائج المعاينة الأولية، أن الضحية تعرض داخلها لنقص حاد في الأوكسجين، تسبب في اختناقه وفقدانه الوعي، قبل أن يفارق الحياة متأثرا بمضاعفات ذلك.
وتواصل مصالح الدرك الملكي، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، أبحاثها وتحرياتها الميدانية والتقنية من أجل تحديد هوية جميع الأشخاص الذين شاركوا في عملية الحفر، والكشف عن الأدوار المنسوبة إلى كل واحد منهم، فضلا عن تحديد الجهة التي تقف وراء التخطيط لهذه العملية، وما إذا كانت ترتبط بشبكة متخصصة في التنقيب غير المشروع عن الكنوز أو بالاتجار في الأوهام واستغلال الراغبين في الثراء السريع.
كما ينتظر أن تشمل الأبحاث تحديد الوسائل والمعدات التي استعملت في عملية الحفر، والمدة الزمنية التي استغرقتها، إلى جانب إخضاع المشتبه فيهم للأبحاث القانونية والاستماع إلى كل من يمكن أن يفيد في كشف الحقيقة. وكانت النيابة العامة قد أمرت، في هذه المرحلة من البحث، بإخلاء سبيل المشتبه فيه مؤقتا، مع الإبقاء على البحث القضائي مفتوحا إلى حين استكمال جميع الخبرات التقنية والنتائج العلمية والاستماعات الضرورية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ظاهرة التنقيب غير المشروع عن الكنوز، التي لا تزال تحصد الأرواح بمختلف مناطق المملكة، بعدما تحولت أوهام العثور على الكنوز المدفونة إلى مصدر لاستدراج العشرات من الأشخاص، من شباب وكهول، من قبل سماسرة ومشعوذين يدعون امتلاك وسائل لفك “الرصد” وتحديد أماكن الكنوز. وغالبا ما تنتهي هذه المغامرات بمآس إنسانية بسبب الانهيارات الترابية أو الاختناق داخل الآبار والحفر العميقة، فضلا عن المتابعات القضائية التي تطال المتورطين في هذه الأنشطة المخالفة للقانون، والتي تقوم في كثير من الأحيان على النصب والاحتيال واستغلال حاجة الضحايا ورغبتهم في تحقيق الثراء السريع.




