









إسرائيل تعلن وقف إطلاق النار في لبنان دون الانسحاب من المناطق المحتلة وتصعيد ميداني يهدد بانهيار الهدنة
الوكالة
2026-06-20

أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار في جنوب لبنان مع تمسكها بالإبقاء على قواتها في المناطق التي سيطرت عليها خلال العمليات العسكرية الأخيرة، في خطوة جاءت وسط تصعيد ميداني غير مسبوق هدد بنسف الهدنة القائمة بين الجيش الإسرائيلي و”حزب الله”، وأعاد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو جولة جديدة من المواجهات الواسعة.

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 12 وهيئة البث الرسمية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أصدرا تعليمات مباشرة للجيش بوقف إطلاق النار مع مواصلة التمركز في المواقع التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن القرار اتخذ بتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار مساعٍ لاحتواء التصعيد المتسارع على الجبهة اللبنانية.
ونقلت مصادر أمنية إسرائيلية أن الجيش سيحتفظ بما وصفته بـ”حرية العمل العملياتية” داخل جنوب لبنان، معتبرة أن أي تهديد محتمل أو خرق لاتفاق وقف إطلاق النار سيقابل برد عسكري حازم. وأكدت المصادر أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لن تتردد في تنفيذ عمليات جديدة إذا رأت أن هناك خطراً يهدد قواتها أو المستوطنات الشمالية.
وجاء الإعلان الإسرائيلي بعد ساعات من مواجهات عنيفة شهدها الجنوب اللبناني، حيث تبادل الجيش الإسرائيلي و”حزب الله” الاتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تواصلت فيه الضربات الجوية الإسرائيلية على مناطق عدة داخل الأراضي اللبنانية، مخلفة خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وفي ظل هذه التطورات، شهدت العاصمة اللبنانية بيروت حراكاً دبلوماسياً مكثفاً بمشاركة أطراف عربية ودولية لتفادي انهيار الاتفاق. وكشفت مصادر سياسية واسعة الاطلاع أن دولاً خليجية دخلت على خط الوساطة عبر اتصالات مباشرة مع الإدارة الأمريكية، بهدف تثبيت التهدئة ووضع آلية واضحة لمراقبة وقف إطلاق النار وتحديد المسؤوليات في حال وقوع خروقات جديدة.
وأوضحت المصادر أن إحدى الصيغ المطروحة تتمثل في إعادة تفعيل لجنة المراقبة المعروفة باسم “الميكانيزم”، والتي أُحدثت عقب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم سنة 2025، بهدف مراقبة الوضع الميداني وتوثيق الانتهاكات وضمان التواصل بين مختلف الأطراف المعنية.
على المستوى الميداني، برز مرتفع “علي الطاهر” الواقع شرق مدينة النبطية باعتباره النقطة الأكثر حساسية في المواجهات الأخيرة. ويعد هذا المرتفع من أبرز المواقع الاستراتيجية في الجنوب اللبناني، نظراً لإشرافه على مساحات واسعة من المنطقة وقدرته على توفير أفضلية عسكرية لأي طرف يسيطر عليه.
ووفق معطيات متطابقة، حاولت القوات الإسرائيلية خلال الأسبوع الماضي التقدم نحو المرتفع في خمس مناسبات على الأقل، غير أنها واجهت مقاومة عنيفة من مقاتلي “حزب الله”، الذين استهدفوا القوات المتوغلة بوابل من الصواريخ والقذائف، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي وإجباره على التراجع في أكثر من مناسبة.
ويعتبر “حزب الله” أن منع إسرائيل من السيطرة على مرتفع علي الطاهر يمثل أولوية ميدانية، لأنه يشكل حاجزاً أمام أي محاولة لتوسيع نطاق الاحتلال داخل الجنوب اللبناني. كما يرى الحزب أن السماح لإسرائيل بتثبيت وجودها في المنطقة سيؤدي إلى فرض واقع ميداني جديد يهدد التوازنات التي أفرزتها الهدنة.
وفي مؤشر على نواياها الميدانية، نشرت إسرائيل خلال الأيام الماضية خرائط جديدة أظهرت مناطق قالت إنها ستواصل السيطرة عليها أو العمل على تأمينها. وشملت هذه المناطق بلدة كفرتبنيت ومرتفعات علي الطاهر في القطاع الشرقي، إضافة إلى بلدة مجدل زون ومزرعة بيوت السياد في القطاع الغربي، فضلاً عن أجزاء من بلدتي حداثا وبرعشيت في القطاع الأوسط.
كما أفادت مصادر محلية جنوب لبنان بأن الجيش الإسرائيلي باشر إقامة سواتر ترابية وتحصينات جديدة بين بلدتي بيت ياحون وكونين، في خطوة اعتُبرت محاولة لتكريس وجود ميداني دائم في المنطقة.
من جهته، نفى “حزب الله” أن يكون قد بادر إلى خرق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الاشتباكات الأخيرة اندلعت بعدما حاولت القوات الإسرائيلية التقدم نحو مرتفع علي الطاهر. وأوضح الحزب أن مقاتليه تدخلوا لصد هذا التوغل، معتبراً أن الرد جاء في إطار الدفاع عن الأراضي اللبنانية ومنع أي تغيير في خطوط التماس القائمة.
وأكد الحزب في بيان رسمي أنه التزم بوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لن يسمح للقوات الإسرائيلية بالتقدم أو فرض وقائع جديدة على الأرض، متوعداً بالتصدي لأي محاولة تهدف إلى توسيع رقعة الاحتلال.
وفي السياق ذاته، قال النائب اللبناني حسن فضل الله إن “وقف إطلاق النار لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لبقاء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية”، مشدداً على أن المقاومة تحتفظ بحقها الكامل في التصدي لأي اعتداء أو محاولة للتوسع داخل الجنوب.
ميدانياً، واصلت الطائرات الحربية الإسرائيلية تنفيذ غارات مكثفة استهدفت مدينة النبطية وعدداً من القرى المحيطة بها، كما طالت الضربات بلدة قناريت الواقعة شمال النبطية بالقرب من مدينة صيدا. وأسفرت هذه الغارات، وفق حصيلة أولية، عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة ثلاثة عشر آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في وقت تواصلت فيه عمليات البحث ورفع الأنقاض في المناطق المستهدفة.
وأثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة من انهيار كامل لاتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً مع استمرار التوتر الميداني وتبادل الاتهامات بين الطرفين، في وقت تبذل فيه الأطراف الدولية والإقليمية جهوداً مكثفة للحفاظ على الهدنة ومنع تحول المواجهات المحدودة إلى حرب مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى مجمل المنطقة.




