









أحمد الطيب العلج.. المسرح كمنصة للهوية الشعبية والتجريب الفني
الوكالة
2025-03-05

بدر قلاج/
في زمنٍ كانت فيه الهوية الثقافية للمغرب تبحث عن صيغة متوازنة بين التراث والتحديث، برز اسم أحمد الطيب العلج كواحدٍ من أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهد المسرحي المغربي.
لم يكن العلج مجرد كاتب مسرحي أو ممثل، بل كان مشروعاً فكرياً قائماً بذاته، يمزج بين الحكمة الشعبية والتقنيات المسرحية الحديثة، في محاولة لإعادة تعريف دور الفن في تشكيل وعي المجتمع.

وُلد العلج في مدينة فاس عام 1928، حيث تلقى تعليمه الأولي في الكتّاب، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل نهل من الحياة مباشرة، محوّلاً الأزقة والأسواق والحوارات العفوية إلى مادة مسرحية غنية. لم تكن رحلته في الثقافة مجرد تدرّج أكاديمي، بل كانت تجربة تأملية وفكرية في الموروث الشعبي، وهو ما ظهر جلياً في أعماله المسرحية.
في مسرحه، لم يكن العلج مجرد ناقل للقصص الشعبية، بل كان مفكّكاً لرموزها، باحثاً عن أبعادها الفلسفية والاجتماعية. فمسرحياته مثل عزيزي أنا والنفخة وطالب راغب لم تكن مجرد عروض، بل كانت محاولات لتشريح المجتمع المغربي بعمقٍ وسخريةٍ مريرة.
انخرط العلج أيضاً في التعليم المسرحي، حيث درّس في مسرح الدول في باريس، واهتم بعلم أصول التدريس المسرحي، إيماناً منه بأن المسرح ليس مجرد وسيلة ترفيهية، بل أداة تثقيفية وتربوية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي.

رغم حصوله على عدة تكريمات، منها وسام الرضى من الدرجة الأولى ووسام الاستحقاق الفكري السوري، إلا أن مسيرته لم تكن خالية من لحظات التهميش. فقد ظلّ المسرح المغربي يعاني من ضعف البنية التحتية والدعم، وهو ما جعل العلج واحداً من أولئك الذين حملوا همّ الثقافة في مجتمع لم يكن يمنحها دائماً الأولوية.
بوفاته في الأول من ديسمبر 2012، فقد المغرب واحداً من أبرز أعمدته المسرحية، لكن أعمال العلج لم تمت، بل بقيت شاهدة على تجربة استثنائية استطاعت أن تجسّد مسرحاً مغربياً بخصوصيته وأصالته.
واليوم، تظل مسرحياته نموذجاً حياً لكيفية تحويل التراث الشعبي إلى لغة مسرحية تتجاوز المحلية نحو الأفق الإنساني الواسع.
تجربة أحمد الطيب العلج لم تكن مجرد تأليف وتمثيل، بل كانت مشروعاً لإثبات أن المسرح يمكن أن يكون ذاكرةً ناطقة للمجتمع، ومرآةً تعكس تفاصيله، بل وربما نافذةً لمستقبلٍ أكثر وعياً وإبداعاً.



