هل فاقد الشيء يعطيه؟ تأملات في خطاب البرلماني إدريس السنتيسي

الوكالة

2025-10-30

باحدة عبد الرزاق

أطل علينا إدريس السنتيسي، رئيس فريق الحركة الشعبية بمجلس النواب، بحديث لم يكن مجرد شكاية برلمانية عابرة داخل غرفة المناقشة حول مشروع قانون مالية 2026، بل بمثابة مرآة تعكس أزمة أعمق في عمل المؤسسة التشريعية وممارسة السياسة العمومية. عندما يصف السنتيسي وزراء بـ«الكسالى» ويقول إن وجودهم «كعدمهم»، لا يقدم مجرد لغة استفزازية، بل يضعنا أمام سؤال تاملي وعملي: ما جدوى وجود برلمانيين ووزراء لا يشتغلون، وهل «فاقد الشيء» يمكن أن يمنح بلدا فعالا وحكامة رشيدة؟

أولا، لنتأمل في المغزى المؤسسي للعبارة: البرلمان ليس مجرد منصة للخطابة أو مسرحا لتصفية حسابات انتخابية؛ إنه جهاز رقابي وتشريعي مسؤول عن صناعة قوانين تنظم الحياة العامة وتراقب تنفيذ السياسات. حين يتحول تواجد البرلمانيين إلى حضور شكلي أو «ديكور» في جلسات التصويت، نفقد فاعلية الجهاز الرقابي. وعندما يخفق وزير في تنزيل التزامات حكومية، تتحمل المؤسسة التشريعية جزءا من المسؤولية إذا اكتفت بالمزايدات أو تفرغت من دورها الرقابي الحقيقي.

ثانيا، إن وصف السنتيسي لظاهرة تهريب الأموال وشراء العقارات بعد «التسامح الضريبي» يرفع القضية من مستوى نقد الأداء إلى مستوى أخلاقي وسياسي: تهريب رؤوس الأموال وتحويلها إلى أصول عقارية داخل أو خارج الوطن لا يضر فقط بالعدالة الجبائية، بل يقوض من فرص الاستثمار المنتج ويكسر قواعد المنافسة، ويؤثر سلبا على سوق السكن وسياسات الإسكان المتاحة للفئات الضعيفة. واتهامه —الحاد، بل الصريح— بمن شاركوا في هذه العملية بأنهم قد «يغشون الانتخابات» يضع مطلبا دستوريا وفيقا: هل من آليات فعالة لمنع من تورطوا في تبييض أموال من المشاركة السياسية؟ وما هي الضمانات القانونية لضمان نزاهة التمثيل السياسي؟

ثالثا، لنتأمل في جدوى النقد الداخلي: السنتيسي لم يتحدث من خارج الساحة، بل من داخل الفريق البرلماني؛ وهذه الداخلية تضفي على كلامه مصداقية ومرارة في آن واحد. لكن النقد وحده، مهما كان صريحا، لا يكفي؛ عليه أن يقترن بحلول مؤسسية قابلة للتطبيق. اقتراحات مثل تقوية آليات المساءلة داخل الأغلبية نفسها، تفعيل أجهزة الرقابة البرلمانية (لجان الاستعلام والتفتيش المالي وغيرها)، ومراجعة ضوابط التصريح بالممتلكات ومكافحة تبييض الأموال، هي إجراءات لا بد أن تناقش بجدية إذا أردنا أن يتحول «القول» إلى «فعل».

رابعا، سؤال الكفاءة والتأهيل: كبرى النقاط التي أثارها السنتيسي تتعلق بسياسة التشغيل والاعتماد على مؤشرات رسمية تفيد بوجود أرقام مقلقة في سوق الشغل. هذا يضعنا أمام سؤال عن جدوى السياسات العامة وكيفية تصميم برامج تكوين مهني متناسقة مع احتياجات السوق. إن وجود ملايين العاطلين من دون شهادة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة حكومية لتبرير الإخفاق؛ بل يجب أن يقرأ كدعوة لإصلاحات هيكلية في التعليم والتكوين وربط العرض بالطلب الحقيقيين.

خامسا، بعدية السياسة والانتخابات: تهديدات بمنع مشاركة فئات معينة في الانتخابات لأنهم «هربوا أموالهم» تثير إشكالات قانونية ودستورية خطيرة. المكافحة الحقيقية للفساد المالي لا تكون بالاستنسابية أو بالإقصاء السياسي المباشر، بل عبر أحكام قضائية باتة، ملاحقات ضريبية شفافة، وآليات استرداد أصول قابلة للتطبيق. الدولة التي تود أن تعيد الثقة عبر استبعاد «الفاسدين» من الحياة السياسية تحتاج إلى مؤسسات قضائية ومالية مستقلة وقوية، لا إلى شعارات انتخابية.

ختاما، التأمل في كلام السنتيسي يفضي بنا إلى خلاصتين عمليتين: الأولى تتعلق بضرورة ترجمة كل خطاب انتقادي إلى إصلاح مؤسسي ملموس — سواء عبر تعزيز أدوات الرقابة البرلمانية أو عبر إصلاح الضوابط الجبائية والمالية؛ والثانية تتعلق بضرورة استعادة معنى الكفاءة في العمل العام. إذا بقي البرلمان مكانا للحضور الشكلي والوزير «الغياب»، فسنواجه فقدانا تدريجيا للثقة، وهو ما ينعكس بالتالي على جودة التشريع وفعالية السياسات العمومية.

لذلك، يجب أن نأخذ تحذير السنتيسي بقلوبٍ عاملة لا بأقلام متراخية: فاقد الشيء لا يعطيه، لكن بالإرادة السياسية والإصلاح المؤسسي يمكن أن نعدل المعادلة — من برلمانيين ووزراء «كسالى» إلى ممثلين ومسؤولين يتحملون مسؤولية البلاد أمام المواطن، لا أمام آلة الانتخابات وحساباتها الضيقة.

تصنيفات