









ملحمة المسيرة الخضراء من عبقرية التحرير إلى نصر السيادة
الوكالة
2025-11-05

بمناسبة مرور خمسين عامازظكزكزك على انطلاق المسيرة الخضراء، يستحضر المغرب هذه الملحمة الخالدة التي لم تكن مجرد خطوة سياسية، بل كانت تجسيداً عبقرياً لإرادة أمة، وفعلاً تحررياً فريداً أنهى الاستعمار الإسباني وأجهض أطماع أعداء الوحدة الترابية. فمنذ سنة 1975 إلى سنة 2025، ظلت قضية الصحراء المغربية محوراً لصراع دبلوماسي وعسكري معقد في ظل ظروف دولية دقيقة، استطاع خلالها المغرب أن ينتقل من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير عبر طرحه مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 في إطار سيادته ووحدته الترابية، وهي المبادرة التي اعتمدها المجتمع الدولي باعتبارها جدية وذات مصداقية وتشكل الحل السياسي الواقعي والنهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وقد تُوج هذا المسار بالقرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر سنة 2025، الذي اعتمد الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة المغربية، ليشكل ذلك انتصاراً دبلوماسياً غير مسبوق للمغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس، وتجسيداً لوجاهة الموقف المغربي وعدالة قضيته ومصداقية مقاربته السلمية.
لقد كانت المسيرة الخضراء رمزاً للوحدة الوطنية وتلاحم العرش بالشعب، وجاء إعلانها في لحظة حاسمة من التاريخ لإنهاء الاستعمار الإسباني بالصحراء المغربية. فبعد تأسيس جبهة البوليساريو سنة 1973، حاول نظام فرانكو استغلال الوضع الإقليمي الحساس عبر الدعوة إلى استفتاء صوري يكرس الانفصال، بتنسيق خفي مع الجزائر التي كانت تطمح إلى منفذ على المحيط الأطلسي، وسعت إلى عزل المغرب جغرافياً وسياسياً. كان الهدف الاستعماري الإسباني الجزائري المشترك هو تطويق المغرب من الشمال والشرق والجنوب، وضمان استمرار الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية والجزر، مع الحفاظ على تندوف تحت السيطرة الجزائرية.
في مواجهة هذا المخطط، لجأ المغرب إلى السلاح القانوني والدبلوماسي، فطلب من الأمم المتحدة إحالة النزاع على محكمة العدل الدولية لتبيان الوضع القانوني للصحراء قبل الاستعمار الإسباني، وأثبتت المحكمة في رأيها الاستشاري الصادر في السادس عشر من أكتوبر 1975 أن الصحراء لم تكن أرضاً خلاء، وأن هناك روابط بيعة وولاء قانونية بين السلطان المغربي وقبائل الصحراء، وهو ما شكل أساس الشرعية التاريخية والسياسية للمغرب في هذه القضية.
وعندما حاولت إسبانيا، مدفوعة بالجزائر، تسريع عملية الانفصال، واجهها المغرب بحزم. فقد حذر الملك الراحل الحسن الثاني في لقائه مع هنري كيسنجر سنة 1974 من أن أي محاولة لإقامة كيان مستقل ستقابل بتحرك عسكري فوري. غير أن حكمة الملك وحنكته السياسية جعلته يختار طريق السلم، فأعلن في خطاب تاريخي انطلاق المسيرة الخضراء، باعتبارها تجسيداً عملياً لوحدة الأمة في سبيل استرجاع أرضها.
وفي السادس من نونبر 1975، انطلقت المسيرة بمشاركة ثلاثمائة وخمسين ألف متطوع ومتطوعة من كل أرجاء المملكة، في مشهد أسطوري أبهر العالم وأربك القوى الاستعمارية. كانت المسيرة رسالة حضارية إلى الضمير الإنساني تؤكد أن التحرير يمكن أن يتحقق بدون حرب، وأن الشعوب قادرة على استعادة حقوقها بوسائل سلمية منضبطة تتناغم مع ميثاق الأمم المتحدة.
وفي المقابل، حاولت الجزائر والبوليساريو إفشال هذه الخطوة عبر تحركات عسكرية وتنسيق استخباراتي مع إسبانيا وليبيا، غير أن إرادة المغرب وشعبه أفشلت المؤامرة، وأجبرت مدريد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وهكذا وُقعت اتفاقية مدريد الثلاثية في الرابع عشر من نونبر 1975، التي نصت على إنهاء الوجود الإسباني بالصحراء وتسليم إدارتها إلى المغرب وموريتانيا بحضور ممثلي القبائل الصحراوية. وفي التاسع من نونبر أوقف الملك المسيرة بعد تحقيق أهدافها كاملة، مؤكداً أن الهدف لم يكن الحرب بل استعادة الحق بالسلام.
وبهذه الاتفاقية انتهى رسمياً عهد الاستعمار الإسباني في الصحراء المغربية، واعترفت مدريد أمام برلمانها بأن الإقليم لم يكن يوماً جزءاً من أراضيها الوطنية، وغادرت آخر جحافلها العسكرية في الثاني عشر من يناير 1976، لتسجل الأمم المتحدة هذا الانسحاب ضمن توصياتها.
غير أن الجزائر، التي رأت في نجاح المسيرة ضربة قاصمة لطموحاتها التوسعية، لم تتقبل الأمر، فاحتضنت عناصر البوليساريو في تندوف، وحولتها إلى أداة لضرب المغرب وابتزاز المنطقة، مما فجر حرباً استنزافية في الصحراء بدعم مباشر من المؤسسة العسكرية الجزائرية. وقد شنت هذه الأخيرة، عبر واجهتها الانفصالية، هجمات على موريتانيا والمغرب، مما أدى إلى سقوط النظام الموريتاني سنة 1978 بدعم جزائري مباشر، وتوقيع نظامه الجديد اتفاقية انسحاب أحادية من وادي الذهب سنة 1979، وهو ما اعتبره المغرب خرقاً لاتفاقية مدريد، فعاد لتأكيد سيادته على الإقليم في الرابع عشر من غشت من نفس السنة.
لقد شكلت هذه التطورات امتداداً لصراع طويل بين منطق الشرعية ومنطق التآمر، بين من اختار السلام ومن آثر الفتنة. فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث تاريخي، بل كانت رؤية استراتيجية لبناء وطن موحد، اختار أن يواجه التحديات بالعقل لا بالسلاح، وبالإيمان لا بالعدوان. وقد أثمرت هذه الرؤية عبر عقود نصف قرن من البناء والتلاحم، تُوجت اليوم بقرار أممي جديد يعترف بالحكم الذاتي تحت سيادة المملكة المغربية، ويكرس حقيقة أن الصحراء مغربية في هويتها وتاريخها ومصيرها.
وهكذا تظل المسيرة الخضراء شاهدة على عبقرية الحسن الثاني الذي أبدع وسيلة سلمية غير مسبوقة في تاريخ التحرر، وعلى حكمة محمد السادس الذي واصل المسار بنفس الإيمان والعزم حتى نال المغرب اعتراف العالم بعدالة قضيته. إنها ملحمة العرش والشعب، ودرس خالد في الوطنية والسيادة، يثبت أن الحق لا يضيع ما دام وراءه شعب يؤمن بعدالته ويصونها بالتلاحم والإصرار.




