









مشروع الربط بين الأحواض المائية بالمغرب رهان استراتيجي لمواجهة ندرة المياه
الوكالة
2026-02-06

محمد نشوان
في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد شحّ المياه مجرد احتمال مستقبلي، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه بقوة على المغرب، خاصة مع توالي سنوات الجفاف، وتراجع التساقطات المطرية، وارتفاع الطلب على الماء بفعل النمو الديمغرافي، والتوسع الحضري، وتنامي الأنشطة الفلاحية والصناعية.
وأمام هذا الوضع المقلق، برز مشروع الربط بين الأحواض المائية كأحد أهم الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة لضمان الأمن المائي، وتأمين التزود بالماء الصالح للشرب، خصوصًا في المناطق التي تعرف خصاصًا حادًا في الموارد المائية.
و يقوم مشروع الربط بين الأحواض المائية على فكرة نقل الفائض من المياه من الأحواض التي تعرف وفرة نسبية، خاصة في شمال المملكة، نحو الأحواض التي تعاني عجزًا بنيويًا، لا سيما في الوسط والجنوب. ويجسد هذا التوجه منطق التضامن المائي بين الجهات، باعتبار الماء ثروة وطنية مشتركة، وليست حكرًا على مجال جغرافي دون آخر.
ويُعدّ ربط حوض سبو بحوض أبي رقراق من أبرز النماذج العملية لهذا المشروع، حيث ساهم في تأمين التزويد المنتظم بالماء الصالح للشرب لمدن كبرى مثل الرباط وسلا والدار البيضاء، بعد أن كانت هذه المناطق مهددة بأزمات عطش متكررة.
و من بين الأهداف الأساسية لهذا الورش، الحدّ من ضياع كميات كبيرة من المياه التي كانت تُفرَّغ في البحر خلال فترات الفيضانات، دون استثمارها. إذ يسمح الربط المائي بتخزين هذه الموارد وإعادة توجيهها نحو مناطق العجز، مما يعزز النجاعة في تدبير الموارد المائية، ويقلل من الهدر.
ورغم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، إلا أنه لا يخلو من تحديات وإكراهات. فبيئيًا، يثير نقل المياه بين الأحواض مخاوف مرتبطة بالتأثير على التوازنات الطبيعية للأحواض المانحة، واحتمال انعكاس ذلك على النظم البيئية المحلية.
أما اقتصاديًا، فتُطرح مسألة ارتفاع كلفة الإنجاز والصيانة، خاصة في ظل الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة، ومحطات ضخ، واستهلاك كبير للطاقة. وهو ما يدفع عددًا من الخبراء إلى التأكيد على ضرورة عدم اعتبار الربط بين الأحواض حلًا وحيدًا، بل إدماجه ضمن حزمة حلول متكاملة.
و في هذا السياق، يبرز خيار تحلية مياه البحر كحل استراتيجي موازٍ، خصوصًا بالمناطق الساحلية، إلى جانب إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في السقي والمساحات الخضراء والصناعة، فضلًا عن ترشيد الاستهلاك، وتحديث شبكات التوزيع للحد من التسربات.
و ختاما فإن مشروع الربط بين الأحواض المائية يشكل ركيزة أساسية في السياسة المائية الوطنية، ويعكس إرادة واضحة لمواجهة ندرة المياه بمنطق استباقي وتضامني. غير أن نجاحه يظل رهينًا باعتماد رؤية شمولية ومتوازنة، تراعي حاجيات الإنسان، وتحقق العدالة المجالية، وتحافظ في الآن ذاته على البيئة واستدامة الموارد.
فالأمن المائي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تفرض تعبئة جماعية، وحكامة رشيدة، واستثمارًا ذكيًا لكل قطرة ماء.




