محور مغربي موريتاني صاعد يغير قواعد اللعبة في المنطقة

الوكالة

2025-11-17

باحدة عبد الرزاق

تدخل العلاقات المغربية الموريتانية هذا العام منعطفا لافتا يكرس انتقال الشراكة بين الرباط ونواكشوط إلى مستوى أكثر اتساعا ووضوحا، في سياق إقليمي يعرف دينامية متسارعة. فانعقاد الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة قبل نهاية السنة في العاصمة الموريتانية لا يبدو مجرد موعد تقني، بل يعكس إرادة سياسية طرفية لإرساء تعاون استراتيجي طويل الأمد، يرتكز على رؤية مشتركة لطبيعة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.

وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أننا أمام مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، مرحلة تتجاوز منطق التوازن التقليدي الذي كانت تفرضه التعقيدات الجيوسياسية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، نحو مقاربة أكثر انسجاما مع التحولات الميدانية والسياسية التي يشهدها هذا الملف. فقد أصبحت موريتانيا أكثر انخراطا في مسار يستجيب لحقائق الواقع، ما يجعلها تقترب تدريجيا من الموقف الذي طالما دافع عنه المغرب باعتباره خيارا عقلانيا يعزز الأمن والاستقرار في الغرب الإفريقي والمجال المغاربي.

ويتأكد هذا التحول من خلال بوادر إعادة التموضع الإقليمي لموريتانيا، خصوصا في تعاطيها مع الأطراف المتدخلة في النزاع، وفي تفاعلها مع الدينامية التي أطلقها القرار الأممي 2703، بما يحمله من أبعاد سياسية واستراتيجية تدفع نحو حل براغماتي ومستدام. ومع هذا المسار، تعود موريتانيا إلى لعب دور حلقة وصل أساسية في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، وهو الدور الذي ظل المغرب يعتبره محوريا في هندسة أي استقرار إقليمي حقيقي.

وتعطي المشاريع المشتركة زخما إضافيا لهذا التقارب، فالمبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب، وأنبوب الغاز نيجيريا المغرب، يتحولان إلى رافعة جديدة لترابط اقتصادي استراتيجي يجعل من نواكشوط شريكا محوريا في امتداد المشروع نحو الساحل وغرب إفريقيا. كما أن التعاون الأمني والحدودي يشهد بدوره تطورا ملحوظا، خاصة مع حرص موريتانيا على ضبط الحدود والتصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار، بما في ذلك الحد من تحركات ميليشيات البوليساريو التي تحاول استغلال الفراغات الأمنية.

وفي البعد الاقتصادي، يعكس التحضير لانعقاد اللجنة العليا المشتركة رغبة واضحة في تسريع مشاريع التنسيق، سواء على مستوى التبادل التجاري أو الربط البري الذي تجسده الخطوات العملية لفتح معبر أم كرين، بما يتيح انسيابية أكبر للحركة التجارية ويربط المغرب بعمقه الإفريقي بفعالية أكبر. ويتوازى هذا المسار مع تعزيز التعاون الثقافي والاجتماعي وتوسيع شبكات التفاعل بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.

وتبرز هذه الدينامية في نهاية المطاف كتتويج لمسار طويل من التراكم الإيجابي، ومسعى مشترك لبناء محور مغاربي إفريقي متماسك، يستوعب متطلبات الأمن الإقليمي ويستعد لمرحلة جديدة عنوانها التكامل بدل الاصطفاف. لذلك يبدو أن الانعقاد المرتقب للجنة المشتركة ليس محطة عابرة، بل خطوة محسوبة في اتجاه ترسيخ تعاون يراهن على المستقبل، ويرسم ملامح نظام جهوي أكثر استقرارا وترابطا.