









قطاع ملابس “البال” يحقق أرقاما ضخمة بمردودية ضريبية شبه معدومة
الوكالة
2025-09-19

باحدة عبد الرزاق
تكشف التصريحات الأخيرة لوزيرة الاقتصاد والمالية حول قطاع بيع الملابس المستعملة “البال” عن مفارقة اقتصادية لافتة تستحق التحليل المعمق. فبينما تشير الأرقام الرسمية إلى وجود أكثر من مليوني وحدة إنتاج غير مهيكلة تحقق رقم معاملات يبلغ 527 مليار درهم، يبقى التأثير الضريبي لهذا القطاع الضخم منعدما حسب التعبير الرسمي. هذه المفارقة تكشف عن تعقيدات الاقتصاد غير المهيكل في المغرب وتحدياته الجوهرية.
تكشف دراسة المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025 عن بيانات مثيرة للاهتمام حول حجم القطاع غير المهيكل في المغرب. فمع وجود 2.03 مليون وحدة إنتاج غير مهيكلة تحقق رقم معاملات قدره 527 مليار درهم، يشكل هذا القطاع كتلة اقتصادية هائلة تمثل حوالي 42% من الناتج الداخلي الخام المغربي المقدر بحوالي 1250 مليار درهم. هذه الأرقام تضع المغرب في مقدمة البلدان التي تعرف هيمنة واضحة للاقتصاد غير المنظم، متجاوزا المتوسط العالمي الذي يتراوح بين 25 و35% في البلدان النامية.
لكن التحليل المعمق للبيانات يكشف عن تركيبة هيكلية خاصة تفسر هذه المفارقة. فحوالي 85.5% من هذه الوحدات تصنف كوحدات صغرى ذات طابع فردي تتركز أنشطتها في قطاعات منخفضة القيمة المضافة، مع غياب المحلات القارة لدى غالبيتها واعتماد شبه كلي على العمالة العائلية أو الفردية. هذه الخصائص تفسر إلى حد كبير الفجوة بين ضخامة رقم المعاملات وضعف الإنتاجية والمردودية الضريبية.
تشير التقديرات الرسمية إلى أن متوسط هامش الربح في قطاع الملابس المستعملة لا يتجاوز 15%، وهو هامش محدود يعكس شدة المنافسة في القطاع وطبيعة السلع المستعملة وانخفاض قيمتها المضافة، إضافة إلى ضعف القوة التفاوضية للبائعين الأفراد وتقلبات العرض والطلب الموسمية. بناءً على متوسط رقم المعاملات لكل وحدة والبالغ حوالي 260 ألف درهم سنوياً، وبتطبيق هامش ربح 15%، نحصل على دخل متوسط قدره 39 ألف درهم سنويا، وهو مبلغ يقل عن عتبة الإعفاء الضريبي البالغة 40 ألف درهم.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جوهرية حول الفجوة الضريبية الحقيقية وتكلفة تحصيل الضرائب من هذه الفئة. فإذا افترضنا تطبيق ضريبة 10% على الأرباح، فإن الحصيلة النظرية ستبلغ حوالي 7.9 مليار درهم سنويا، لكن مع مراعاة عتبة الإعفاء، تنخفض هذه الحصيلة إلى مستويات هامشية. أكثر من ذلك، فإن تكلفة تحصيل الضرائب من هذه الفئة قد تفوق العائدات المحتملة، نظرا للصعوبات العملية في التتبع والمراقبة والمخاطر الاجتماعية من فرض ضرائب على فئات هشة.
رغم ضعف التأثير الضريبي، يساهم قطاع الملابس المستعملة وباقي القطاعات غير المهيكلة بشكل كبير في الناتج الداخلي الخام بمساهمة تقدر بأكثر من 40%، وفي التشغيل من خلال امتصاص نسبة عالية من العمالة غير المهرة، وفي دعم الاستهلاك المحلي عبر توفير سلع بأسعار منخفضة للطبقات الشعبية. كما يؤثر القطاع إيجابيا على تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية وتقليل الضغط على سوق العمل الرسمي، لكنه في المقابل يخلق منافسة غير عادلة للقطاع المنظم ويزيد من صعوبة قياس الأداء الاقتصادي الحقيقي والتخطيط الاقتصادي.
مقارنة بالقطاعات المنظمة التي تساهم بحوالي 85% من الحصيلة الضريبية رغم كونها أقل من 60% من الاقتصاد وتتميز بكفاءة ضريبية عالية ومراقبة فعالة، نجد أن القطاع غير المهيكل يعاني من مساهمة ضريبية هامشية رغم حجمه الكبير وتحديات هيكلية في التحصيل تتطلب مقاربات مبتكرة.
التجارب الإقليمية والدولية تقدم دروسا مهمة في هذا السياق. فتونس التي يمثل قطاعها غير المهيكل 38% من الاقتصاد تتبع سياسات أكثر صرامة في التأطير الضريبي مع نجاح نسبي في إدماج بعض الأنشطة. مصر تواجه تحديات مشابهة مع قطاع غير مهيكل ضخم يمثل حوالي 50% من اقتصادها لكنها تطور برامج حكومية للتأطير التدريجي. الجزائر تعتمد أكثر على الاقتصاد الريعي مع قطاع غير مهيكل أصغر نسبيا يتراوح بين 30 و35% وتركيز أكبر على القطاعات الإستراتيجية.
على المستوى الدولي، نجح النموذج البرازيلي من خلال نظام “Simples Nacional” للضرائب المبسطة في إدماج ملايين المقاولات الصغرى وتحقيق زيادة ملحوظة في الحصيلة الضريبية. التجربة الهندية عبر نظام GST المبسط للأنشطة الصغيرة واستخدام التكنولوجيا في التتبع حققت نتائج متباينة حسب القطاعات لكنها تقدم نموذجاً يستحق الدراسة.
في ضوء هذا التحليل، تبرز الحاجة إلى مقاربة متدرجة تبدأ بتطوير نظم المعلومات وإنشاء قاعدة بيانات شاملة عن القطاع، والتطبيق التدريجي للأنظمة الضريبية المبسطة مع تقديم حوافز مالية للانخراط الطوعي في النظام الضريبي. على المدى المتوسط، يصبح التحول الرقمي واستخدام التكنولوجيا لتسهيل التتبع والتحصيل أمرا ضروريا، إلى جانب برامج التكوين والمرافقة لتطوير قدرات العاملين في القطاع وتسهيل الوصول إلى التمويل المصغر لتطوير الأنشطة.
على المدى الطويل، يتطلب الأمر إصلاحاً هيكليا شاملا لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي العام وتطوير قطاعات جديدة عالية القيمة المضافة، مع ربط التأطير الضريبي بالحماية الاجتماعية كجزء من سياسة اجتماعية متكاملة.
يكشف تحليل الوضع الاقتصادي والمالي لقطاع الملابس المستعملة في المغرب عن تعقيدات الاقتصاد غير المهيكل وتحدياته الجوهرية. فرغم الحجم الضخم لهذا القطاع ومساهمته الكبيرة في النشاط الاقتصادي، يبقى تأثيره الضريبي محدوداً بسبب هيكله المفكك وطبيعة أنشطته منخفضة القيمة المضافة. هذا الوضع يتطلب مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وتسعى إلى التأطير التدريجي دون الإضرار بالوظيفة الاجتماعية المهمة التي يؤديها هذا القطاع في امتصاص البطالة وتوفير سلع بأسعار مناسبة للطبقات الشعبية. النجاح في هذا التحدي يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين الحاجة لتعزيز الموارد المالية للدولة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة العاملة في هذا القطاع الحيوي.




