









فسحة رمضانية قصة من نور في حياة السلف الصالح
الوكالة
2026-03-18

محمد نشوان
في زمنٍ كانت فيه القيم تُقاس بالأفعال لا بالأقوال، وتُختبر فيه النفوس في أشد المواقف، سطّر السلف الصالح أروع صور الصدق والأمانة، تاركين لنا قصصًا تُروى جيلاً بعد جيل، نستقي منها العبرة في كل زمان.
ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية مؤثرة تُجسد معنى الأمانة الحقيقية:
يُروى أن رجلًا من الصالحين أراد السفر، فترك عند أحد أصدقائه كيسًا من المال أمانة، وقال له: “إن عدتُ أخذته، وإن تأخرتُ فهو عندك حتى أرجع”. ثم غاب الرجل سنوات طويلة، حتى ظنّ الناس أنه لن يعود.
مرت الأيام، وتعاقبت السنوات، والرجل الذي عنده الأمانة يعيش في فقرٍ شديد، حتى اشتدّت عليه الحاجة، وأصبحت أسرته في ضيقٍ لا يُحتمل. وفي لحظة ضعف، نظر إلى المال وقال في نفسه: “لقد غاب صاحبه، ولا أحد يعلم به… فهل آخذ منه ما يسدّ حاجتي؟”
لكن ضميره الحيّ كان حاضرًا… فبكى وقال:
“كيف أخون أمانةً ائتمنني الله عليها قبل أن يأتمنني عليها صاحبها؟!”
فصبر، رغم شدة الحاجة، ولم يمسّ المال.
وبعد سنوات، عاد الرجل المسافر، ودخل المدينة يسأل عن صديقه، حتى وجده على حالٍ من الفقر والتعب. فسلّم عليه، وقال: “أين الأمانة؟”
فأجابه الرجل دون تردد:
“هي كما تركتها… لم أنقص منها شيئًا”.
تعجب الرجل، وقال: “أما احتجت إليها؟”
فأجابه: “والله لقد احتجت… ولكن خوفي من الله كان أشد”.
فبكى الرجل، وقال:
“أشهد أنك من الأمناء… وقد جئتك اليوم لأردّ لك الجميل، فهذا المال لك هدية، لأنك حفظته يوم ضيّعه غيرك في مثلك من الظروف”.
هذه القصة ليست مجرد حكاية، بل رسالة عميقة في زمن كثرت فيه المغريات وقلّت فيه الأمانة. إنها تذكّرنا بأن الصدق لا يُختبر في الرخاء، بل في الشدة، وأن الأمانة ليست خيارًا بل مبدأ ثابت.
وفي هذا الشهر الفضيل، حيث تتزكى النفوس وتسمو القيم، تبقى مثل هذه القصص نبراسًا نهتدي به، ودعوة صادقة لأن نكون أمناء، حتى في أصعب الظروف.



