عبيدات الرمى بني شكدال: إحياء التراث في قلب المغاربة، استمرارية ثقافة الأصالة عبر أجيال متعاقبة

الوكالة

2025-02-10

بدر قلاج _ مراكش

تُعد مجموعة “عبيدات الرمى بني شكدال” إحدى أبرز النماذج الحية على صمود الثقافة المغربية الأصيلة أمام تحديات الزمان والتغيرات الاجتماعية. هذه المجموعة التراثية لا تمثل مجرد فرقة موسيقية، بل هي سفير حي لموروث ثقافي شعبي يشهد على ارتباط الأرض المغربية بتراثها الغني، وعلى قدرة الأجيال الجديدة في الحفاظ عليه وتجديده.

تعتبر “عبيدات الرمى” جزءًا من الحركة الثقافية الممتدة في منطقة بني عمير، التي تضم بينها منطقة بني شكدال. تعود أصول هذه المجموعة إلى فترة ما قبل الاستقلال، حيث كانت تضم مجموعة من الفنانين الشعبيين الذين آمنوا بأهمية الحفاظ على تراثهم الفني ونقله للأجيال القادمة. كانت البداية الحقيقية لهذه الحركة مع مجموعة “دوار لخلوط” التي كان يرأسها المرحوم رحال فاتح، شخصية بارزة في تاريخ الفن الشعبي في المنطقة.

وبعد وفاة رحال فاتح، تبنّى ابنه الأكبر، فاتح الملقب بالغيوان، هذه المسؤولية، وتُعد هذه المرحلة نقطة تحول في تاريخ المجموعة حيث ارتبطت بشكل وثيق بمؤسسة الفن الشعبي في المنطقة. وقد أصبح الغيوان، وهو في شبابه، رمزًا لاستمرار هذا التراث العريق، ليقود المجموعة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

لكن الأهم من ذلك، هو التحول الذي شهدته المجموعة في عام 1998، حينما تسلّم المشعل الابن الأصغر لـ”الغيوان”، محمد فاتح، مع رفيقه حميد حنيوي. عندئذٍ، شكلت هذه المرحلة بداية جديدة تُجسد إرادة الشباب في إعادة إحياء التراث الشعبي، مع الحفاظ على أصالته وتحقيق تواصل مباشر مع قضايا المجتمع المغربي المعاصر. تأسست المجموعة في تلك المرحلة تحت اسم “مجموعة التراث الشَكدالي” كخطوة لتوثيق هذا الفن الفريد.
التجديد والمواصلة: انطلاقة جديدة في العام 2006
في عام 2006، وبعد تحولات في هيكل المجموعة، تم تسليم الراية إلى المقدم الحالي للمجموعة، رضوان حنيوي، الذي عمل جاهداً على توسيع نطاق التفاعل مع هذا التراث الشعبي الأصيل. مع إدخال أعضاء جدد من مختلف مناطق بني شكدال، بدأت المجموعة في تبني اسمها الحالي “عبيدات الرمى بني شكدال”، ليعكس هذا الاسم تميزها وهويتها الثقافية.
ورغم أن المجموعة كانت تعتمد في البداية على أبناء دوار لخلوط، إلا أن بروز أجيال جديدة وتوسع نشاطها إلى مختلف القرى المغربية أكسب المجموعة طابعًا شموليًا جعلها تمثل “كل المغاربة”، لا سيما مع تطور أغانيها التي تراوحت بين مواضيع اجتماعية وثقافية تمس هموم المجتمع المغربي الراهن.
إلى جانب الحفاظ على الفلكلور الشعبي، وضعت مجموعة “عبيدات الرمى بني شكدال” نصب أعينها الرسالة الاجتماعية والتربوية في أعمالها الفنية. فقامت المجموعة بتطوير وتحديث أغانيها بحيث تتناول قضايا عديدة تمس المجتمع المغربي بشكل مباشر، مثل قضايا الهوية، التنمية الاجتماعية، والتحديات التي تواجه الشباب المغربي.
وتُظهر كلمات الأغاني التي تُؤدى بأصوات أفراد المجموعة كفاءة فائقة في دمج التراث مع اللغة المعاصرة التي يفهمها الجيل الجديد. كما عملت المجموعة على كتابة أغاني جديدة تهتم بالقضايا اليومية للمجتمع، مستخدمين شعر الزجل الذي ارتبط بهذا النوع من الفن الشعبي. كان أبرز من عمل على صياغة هذه الأعمال هو مؤسس المجموعة محمد فاتح ولد الغيوان، الذي ارتبط بشدة بفكر المجموعة وأهدافها الثقافية، إضافة إلى العديد من الزجالين الآخرين الذين أضافوا لمسهم الخاص على هذا الفن الأصيل.
تعتبر مجموعة “عبيدات الرمى بني شكدال” نموذجًا حيًا على كيفية نقل التراث من جيل إلى آخر، حيث تقوم بنقل القيم والتقاليد الاجتماعية التي تمتد جذورها عبر مئات السنين. فالفن الذي تقدمه المجموعة ليس مجرد أداء موسيقي، بل هو فعل ثقافي تربوي، يعمل على تعميق الوعي بالهوية الثقافية وتعزيز الانتماء للتراث.
كما تساهم المجموعة في توعية الأجيال الجديدة بمخاطر فقدان الاتصال بالتراث وتقدم نموذجًا حيويًا للمزج بين الأصالة والحداثة. فنجد أن أغاني المجموعة تُبث بمختلف وسائل الإعلام وتشارك في العديد من المهرجانات الوطنية والدولية، مما يجعلها تساهم في تعزيز صورة المغرب كداعم للفن والتراث العريق.

إن استمرار مجموعة “عبيدات الرمى بني شكدال” في تقديم هذا الفن يشكل شهادة على قدرة الشباب المغربي على إحياء ثقافته وتجديده، فالمجموعة لا تعد فقط حفاظًا على الفلكلور الشعبي، بل هي تجسيد حي للمثابرة والمثابرة لتوصيل هذا الفن الأصيل إلى أوسع جمهور ممكن. ومن خلال مساهماتها، تساهم المجموعة في تعريف العالم بالتراث الثقافي المغربي العميق، الذي يعكس تاريخًا طويلًا من الأصالة والتفرد.
وبذلك تظل “عبيدات الرمى بني شكدال” واحدة من أهم الحركات الثقافية التي تبرز في مغرب اليوم، مستمرة في إشعال شمعة الأمل في الحفاظ على الفن الشعبي المغربي للأجيال القادمة، لتكون بذلك جسراً بين الماضي والمستقبل.

تصنيفات