سناء الهداجي.. فلسفة البناء الثقافي بين إرث الأمس ورهانات الغد

الوكالة

2025-01-18

بدر قلاج– وكالة الأنباء المغربية

في عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحديات غير مسبوقة على جميع الأصعدة، يبرز دور الفنون والثقافة كأدوات استراتيجية لإعادة صياغة الهوية المجتمعية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وفتح آفاق جديدة للإبداع.

وسط هذا المشهد، تقف الأستاذة سناء الهداجي، مديرة المركب الثقافي الحي الحسني بمراكش، كرائدة ثقافية مزجت بين الإرث العريق والابتكار العصري، مجسدة فلسفة متجددة للبناء الثقافي في عصر التحديات الكبرى.

من البدايات إلى الريادة.. شغف متجذر في الفن والثقافة

لم يكن اهتمام سناء الهداجي بالفن والثقافة وليد اللحظة، بل انطلق منذ طفولتها حين شاركت في العديد من الأنشطة الفنية التي نُظمت في إطار الاحتفالات المدرسية والوطنية، ما عزز لديها حب الإبداع والرغبة في التعبير عن ذاتها. هذا الشغف رافقها خلال مسيرتها التعليمية، حيث اختارت الغوص في عوالم الأدب والشعر، وناقشت أطروحة إجازة حول “ظاهرة الموت في شعر بدر شاكر السياب”، ما أضاف بُعدًا نقديًا عميقًا إلى رؤيتها الثقافية.

إعادة بناء المشهد الثقافي: المركب الثقافي الحي الحسني نموذجًا

منذ توليها إدارة المركب الثقافي الحي الحسني، استطاعت الهداجي أن تحول هذا الفضاء إلى مركز نابض بالإبداع ومصدر إلهام للمجتمع. لم تكن رؤيتها تقتصر على تقديم أنشطة ثقافية اعتيادية، بل هدفت إلى تأسيس منصة تجمع بين مختلف أشكال الفن والفكر، مع التركيز على توجيه الثقافة نحو خدمة التنمية المجتمعية.

تتجلى فلسفة الهداجي في الدمج بين الماضي والحاضر، حيث تسعى إلى إعادة صياغة التراث المغربي بما يلائم تطلعات الأجيال الجديدة. من خلال تنظيمها لورش العمل، الملتقيات الفكرية، والأنشطة الفنية، استطاعت أن تخلق بيئة ثقافية شاملة تستهدف جميع الأعمار والفئات الاجتماعية، مما حول الثقافة إلى عنصر فعال في تعزيز التماسك الاجتماعي والتنمية الذاتية.

دور جمعية وشم للثقافة والفن ..تكريس ثقافة الاعتراف وصيانة التراث

إلى جانب دورها الإداري، تقود الهداجي جمعية وشم للثقافة والفن، التي أصبحت بفضل جهودها أحد أعمدة المشهد الثقافي بمراكش. حيت ساهمت الجمعية في تعزيز المشهد الثقافي المغربي من خلال تنظيم فعاليات بارزة ومتنوعة تشمل مهرجانات فنية، ملتقيات أدبية، وفعاليات تكريم شخصيات تركت بصمة في الثقافة المغربية.

من بين المبادرات البارزة هذه السنة التي أشرفت عليها الأستاذة سناء الهداجي، تنظيم مهرجان الطفولة تحت شعار “الإعاقة قدر والإدماج قرار”، الذي يعكس رؤيتها الإنسانية في دمج جميع فئات المجتمع ضمن منظومة ثقافية متكاملة.

وكذلك المهرجان الوطني للقصيدة العربية المصورة، الذي جمع بين جمالية الشعر وتقنيات الصورة، والملتقى العالمي للشعر والموسيقى، الذي مثل منصة للتبادل الثقافي بين شعراء وموسيقيين من مختلف أنحاء العالم. ولم تتوقف جهود الجمعية عند تنظيم الفعاليات، بل امتدت لتأسيس فرقة كورال وشم للثقافة والفن، التي تسعى إلى تطوير أداء فني جماعي يعكس التنوع الثقافي والإبداعي المغربي.

الثقافة جسر بين الأجيال..رؤية للمستقبل

إن فلسفة سناء الهداجي الثقافية تتجاوز حدود تقديم البرامج والأنشطة، إلى تكوين رؤية عميقة ترى في الثقافة والفن جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، ويعبر نحو مستقبل أكثر انفتاحًا وتنوعًا. تعتقد الهداجي أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة ملحة لبناء مجتمعات قادرة على مواجهة التحديات.
من خلال تركيزها على الشراكات والتعاون بين مختلف الفاعلين الثقافيين، تسعى الهداجي إلى تعظيم أثر أنشطتها الثقافية، لتكون نموذجًا يحتذى به في مختلف المدن المغربية.

نموذج ملهم للقيادة الثقافية

سناء الهداجي تقدم نموذجًا استثنائيًا للقيادة الثقافية، حيث استطاعت المزج بين شغف الطفولة، الدراسة الأكاديمية، والرؤية الإبداعية، لتكون رمزًا لتحول ثقافي وإنساني في مراكش. إن نجاحها ليس فقط في تحويل المركب الثقافي إلى مركز للإبداع، بل في قدرتها على جعل الثقافة والفن حجر الزاوية في بناء مجتمع متماسك ومتطور.

في زمن يزداد فيه الحديث عن التحولات الثقافية الكبرى، تأتي تجربة سناء الهداجي لتؤكد أن الإبداع والقيادة الواعية قادران على إحداث تغيير جذري، يفتح آفاقًا جديدة للإبداع ويضع أسسًا مستدامة للمستقبل.

تصنيفات