زيليل مدينة مورية تنهض من تحت أنقاض التاريخ

الوكالة

2026-03-03

محمد نشوان

على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب غرب طنجة و13 كيلومتراً شمال شرق أصيلة، يحتضن دوار الدشر الجديد أحد أبرز المواقع الأثرية بشمال المغرب، ويتعلق الأمر بموقع زيليل، المدينة المورية التي تعاقبت عليها حضارات متعددة، وظلت شاهدة على تحولات تاريخية عميقة طبعت المنطقة لقرون.

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن زيليل تعود في نشأتها الأولى إلى الفترة المورية، حين كانت المنطقة جزءاً من المجال الحضاري للممالك المحلية بشمال إفريقيا. غير أن المنعطف الحاسم في مسارها جاء خلال الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، بعدما أقيمت على أنقاضها مستعمرة رومانية حملت اسم “لوليا كونستانتيا زيليل”، وذلك ما بين سنتي 33 و25 قبل الميلاد تقريباً، في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس.

هذا التحول لم يكن شكلياً، بل جسّد انتقالاً إلى مرحلة عمرانية واقتصادية جديدة، تجلت في اعتماد تخطيط حضري بطابع روماني واضح، سواء من حيث هندسة المباني أو تنظيم الأحياء وأنماط العيش. وقد أسفرت الأبحاث الأثرية المنجزة بالموقع عن اكتشاف بقايا منازل مزودة بأعمدة قائمة على مستوى الهضبة الشمالية، ما يدل على وجود نسيج سكني منظم يعكس ازدهاراً عمرانياً ملحوظاً.

كما تم العثور على حمامات عمومية بالضواحي الجنوبية الشرقية للمدينة، في مؤشر على تبني أنماط الحياة الرومانية التي أولت أهمية خاصة للفضاءات الجماعية والخدمات العمومية. وخلال القرن الرابع الميلادي، عرفت المدينة عملية إعادة بناء وفق مخطط حضري جديد، شمل إحداث حي حرفي وتجاري، إلى جانب تشييد كنيسة مسيحية قديمة فوق الهضبة الشمالية، بما يعكس التحولات الدينية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة في تلك المرحلة.

وتؤكد التقديرات الأثرية أن الامتداد الأقصى لزيليل بلغ عشرات الهكتارات، ما يعزز فرضية كونها مركزاً حضرياً مهماً في شمال غرب إفريقيا خلال العهدين الموري والروماني.

ولا يختزل موقع زيليل في كونه أطلالاً تاريخية، بل يمثل سجلاً مادياً لذاكرة المغرب القديم، يبرز تعاقب الحضارات وتفاعلها في هذه الرقعة الجغرافية. كما يشكل رصيداً واعداً للسياحة الثقافية بالمنطقة، شريطة توفير شروط الحماية والتثمين والتعريف بهذا الموروث الحضاري، بما يضمن إدماجه في مسارات التنمية المحلية وصون قيمته التاريخية للأجيال القادمة.