زاكورة :احتجاجات العطش تزلزل ترناتة… أطنان الماء تضيع والساكنة تختنق

الوكالة

2025-08-16

محمد البشيــري

تحت شمس حارقة وحرارة تجاوزت 50 درجة، تحولت دواوير جماعة ترناتة بإقليم زاكورة بالجنوب الشرقي للمملكة إلى مسرح لغضب شعبي عارم، بعدما استفحلت أزمة عطش خانقة لأكثر من شهرين ونصف. فقد صهريج الجماعة للمرة الخامسة نحو 400 طن من الماء الصالح للشرب في تسربات غامضة، بينما بقيت البيوت جافة وأفواه العطشى تنتظر بلا جدوى.

الاحتجاجات اندلعت أول أمس الثلاثاء من دوار تيكيت شعوف، بعدما بلغ العطش حدًا غير مسبوق. نساء يحملن القوارير الفارغة، رجال يجرّون الدلاء، وأطفال تكسو وجوههم ملامح التعب… جميعهم خرجوا بحثًا عن قطرة ماء، حيث توجه النساء والأطفال إلى الطريق الوطنية رقم 9 الرابطة بين ورزازات وزاكورة، مرددين شعارات قوية تعكس مأساتهم ومعاناتهم، من قبيل : “هذا عيب، هذا عار… بغينا الماء يكون في الدار” ، “هذا عيب هدا عار.. وسيدنا، حنا في خطر”، في رسالة واضحة وصريحة تعبر عن آلامهم ونداءاتهم لجلالة الملك حفظه الله وسدد خطاه، وإلى السلطات المعنية في شخص السيد العامل للتدخل العاجل.

معطيات حصرية وتصريحات تتوفر عليها الجريدة أفادت أن محاولات السلطات المحلية، ممثلة في السيد خليفة القائد لتهدئة الوضع و لثني المحتجين عن الخروج للشارع عبر وعود متكررة لم تعد تقنع أحدًا. إحدى السيدات صرحت للجريدة: ” الخليفة والشيخ يأتون كل يوم ويقولون لنا الماء سيصل صباحًا… لكنه لا يصل أبداً. “

المشهد كان صادمًا: نساء قرويات يجررن قنينات فارغة، وأطفال يلهثون تحت لهيب الشمس، يصرخون طلبًا لأبسط مقومات الحياة: “بغينا غير الماء نشربوه” . امرأة مسنة تساءلت بحرقة: ” ثلاث سنوات ونحن محرومون من الماء، والدواوير المجاورة تتمتع به، أليس هذا تمييزًا…؟ “

تصريحات متطابقة قالت للجريدة إن السلطات الجماعية تجلب لهم شاحنة صهريجية في محاولة للتخفيف من الأزمة وامتصاص الغضب، لكن المياه التي كانت تصلهم ملوثة وذات لون أصفر وتفوح منها رائحة كريهة، حتى الحيوانات رفضت شربها.

التوتر بلغ ذروته حين تدخل أحد المسؤولين المحليين لفض الاحتجاج، وسط اتهامات من بعض النساء بتعنيفهن وانتزاع العلم الوطني بالقوة من يد سيدة مسنة كادت تسقط أرضًا.

في الوقت نفسه، أعطى السيد رئيس الدائرة بزاكورة تعليماته العاجلة للجنة المكلفة بتوزيع الماء لربط دوار تيكيت شعوف بالماء الصالح للشرب، تفاديًا لأي احتقان جديد. غير أن مشكل التسربات في الشبكة المائية ما زال قائمًا ولم يُكتشف مصدره بعد، ما يطرح سؤالاً جوهريًا لدى الرأي العام: نحن لسنا ضد تزويد أي دوار بالماء، لكننا ضد هدر أطنان من المياه التي تضيع في الشبكة دون أن يستفيد منها أحد.

هنا، أكدت فعاليات جمعوية وحقوقية للجريدة أن خروج النساء والأطفال إلى الشارع في الجنوب الشرقي لا يمكن اعتباره حدثاً عادياً، بل يحمل دلالات عميقة تمس جوهر الأعراف والتقاليد التي درجت على كبح مثل هذه الخطوات. إن نزول النساء والأطفال للاحتجاج يختزل حجم الكارثة، ويكشف أن الوضع بلغ أقصى درجات الخطورة. كما اعتبر المتحدثون أنه من العيب أن دواوير لا تبعد سوى أمتار قليلة عن المدار الحضري ومقر عمالة زاكورة تُحرم من أبسط مقومات الحياة، في وقت تُهدر فيه أطنان من المياه من الصهريج بجبل أولاد أوشان، للمرة الخامسة على التوالي. وأشاروا إلى أن بعض التدخلات التقنية جرت فعلاً لوقف النزيف، لكنها لم تسفر عن أي نتيجة ملموسة، مما يجعل المشهد أكثر مأساوية: ضياع للثروة المائية، وصمت رسمي يفاقم معاناة الساكنة يوماً بعد يوم.

فمن سيتحمل إذن فاتورة هذه المياه المهدورة التي ضاعت وتضيع في المجهول للمرة الخامسة على التوالي، دون أن تروي عطش بشر ولا شجر؟ ومن سيؤدي ثمن أطنان هذه المياه التي تبخرت على مدى شهرين ونصف ولا زالت؟ هل هي جماعة ترناتة؟ أم أن الكلفة ستُرحّل إلى جيوب المواطنين البسطاء، لتُضاف ظلماً إلى فواتيرهم دون علمهم، رغم أنهم لم يستهلكوا قطرة منها؟ أسئلة مُرة ومحيرة، تفضح عبثية التدبير وتنتظر جواباً صريحاً من الجهات المعنية. الرأي العام في ترناتة، وزاكورة عموماً، لم يعد يقبل الصمت… الكل يترقب، والوقت ينفد.

وحتى لا ننكر ونُعطي لكل ذي حق حقه، فقد رصدت اللجنة التقنية، التي ضمت المكتب الوطني للماء وفيدرالية الماء والسلطة المحلية، خلال الأسبوع الماضي تسربات من أنابيب بسعات 25 و35 و40 و50 بوصة في كل من زاوية القاضي وتيسركات، وهذا مجهود يحسب لها، لكن الكارثة أنه حتى بعد إغلاق جميع القنوات المؤدية إلى جميع الدواوير، لا زال الماء يضيع.

وبتكثيف الجهود، تم أول أمس الثلاثاء ربط دوار تيكيت شعوف بالماء الصالح للشرب بعد احتجاجات نسائية غاضبة وبأمر من السيد رئيس الدائرة، مشكورًا على تجاوبه السريع لنداءات الساكنة، إلا أنه في ظل استمرار فقدان الصهريج لأطنان المياه في كل مرة (400 طن) بالشبكة المهترئة، وما دام دوار تيكيت شعوف سيصلها 10 في المئة من مياه الصهريج، فإن نحو 90 بالمئة من المياه لا محالة ستضيع في المجهول، ما دام العطب الرئيسي لم يُعالج بعد.

وفي الأثناء، تعيش دواوير زاوية القاضي، رباط الحجر، القصيبة الأولى والثانية، تيسركات، الحذب، تيكيث، الخرازة، الحارة وغيرها، على وقع عطش مطبق، وسط ارتباك واضح داخل اللجنة المكلفة بتسيير شؤون الماء بالجماعة، التي عجزت عن إيجاد حل جذري منذ فترة تجاوزت الشهرين والنصف، بينما الماء يضيع في المجهول والأزمة تتفاقم، والسلطات تكتفي بالبحث والمراقبة وتلتزم الصمت، بينما الساكنة تموت عطشًا ببطء… فمن ينقذ دواوير جماعة ترناتة؟ المياه لا تزال تتسرب، والصهريج يُفرغ، والحقائق تضيع وسط الصمت والغموض.

الأمر لم يعد يحتمل التأجيل أو المماطلة. سكان ترناتة لا يطلبون معجزات، بل أبسط حق لهم: الماء الصالح للشرب، الذي هو أساس الحياة وأحد أولويات السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كما شدد على ذلك في العديد من خطاباته. ومع ذلك، يضيع الماء يوميًا في شبكة مهترئة أطنان من المادة الحيوية، دون محاسبة أو مساءلة لأي مسؤول. هذا الاستهتار المستمر، والوعود الكاذبة، وصمت السلطات، يجعل من الأزمة فضيحة حقيقية تلطخ سمعة المسؤولين المحليين والإقليميين. وعلى من يعتقد أن المياه ستظل تتسرب بلا أثر أن يعلم: صبر المواطنين نفد، وصوتهم صار أرفع من كل صمت رسمي، ورسالتهم واضحة للجميع: إما احترام حياة الناس وكرامتهم، أو الاستعداد لتحمل نتائج غضب ساكنة لن تصمت أكثر.

وفي انتظار بلاغ رسمي من لدن السلطات المعنية، والتزامًا بمبدأ المصداقية والشفافية والحياد، بعيدًا عن أي مغالطات، يبقى موقعنا و في إطار الحياد الاعلامي المشروط مفتوحًا للجميع من أجل الرد أو التصحيح أو التوضيح، احترامًا لكل الآراء، ومحاولة لكشف الحقائق بدون زيادة أو نقصان.

تصنيفات