رجال في الذاكرة: مولاي عبد الواحد حسنين ومسرح المقاومة بين الإبداع والتحدي

الوكالة

2025-01-09

بدر قلاج _ مراكش

في أعماق الذاكرة المسرحية لمراكش، تبرز شخصية مولاي عبد الواحد حسنين كأحد الرواد الذين نقشوا أسماءهم في سجل الفن الشعبي المغربي. وُلد هذا المبدع سنة 1915، وبدأ مسيرته الفنية سنة 1932 عبر "البساط"، تلك الفرجة الشعبية التي كانت تزدهر أيام عاشوراء. لم يكن حسنين مجرد فنان؛ بل كان صاحب رؤية عميقة حملت المسرح من فضاءات الفطرة إلى رحاب الفن المؤطر.

كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرته الفنية عام 1938 عندما وصل إلى مراكش إيطالي يدعى “كاسطوط”، ساعيًا إلى تأسيس فرقة مسرحية من الشباب. وجد كاسطوط في حسنين موهبة كامنة، فكلفه بكتابة أول مسرحية له، والتي استلهم موضوعها من عيد العرش، لتُعرض بثانوية ابن يوسف. لكن تلك الخطوة لم تمر دون عوائق، إذ تعرض كاسطوط لتهديدات أوقفته عن مواصلة عمله مع الفرقة، مما جعل حسنين يستقل بفنه ويقود زملاءه نحو مرحلة جديدة.
مع تأسيس جمعية الأطلس الشعبية عام 1941 على يد المقاوم عبد الله إبراهيم، التحم حسنين بروح النضال الفني، وكانت أولى ثمار هذا التعاون مسرحية الفاطمي والضاوية. تلك المسرحية لم تكن مجرد عرض مسرحي؛ بل كانت تحديًا واضحًا للاستعمار الفرنسي. فحكى الراحل عبد الجبار الوزير كيف اضطر حسنين للسفر مرارًا بين مراكش والرباط للحصول على ترخيص لتقديم العرض، ليواجه استفزازًا مباشرًا من أحد الجنود الفرنسيين، الذي حاصر مكان العرض بالرشاشات، كأنما المسرح كان حينها جبهة مقاومة.
إسهامات حسنين لم تقتصر على المسرحيات ذات الطابع السياسي؛ بل امتدت لتشمل مواضيع اجتماعية عميقة في أعمال مثل غلطة أم، زوج أمك ترتاح، والمغرب والأنانية. كانت نصوصه تمثل مرآة لواقع المجتمع، تنقل همومه وتطلعاته بأسلوب يلامس القلوب.
ظل حسنين مخلصًا للمسرح حتى سنواته الأخيرة، واعتُبر رمزًا فنيًا يحتذى به. في سنة 1988، كرّمته جامعة القاضي عياض اعترافًا بمسيرته المضيئة، كما حظي بتكريم آخر عام 1991 خلال ملتقى الحمراء في دورته الأولى.
توفي مولاي عبد الواحد حسنين سنة 2006، لكن إرثه الفني بقي شاهدًا على إبداع فنان لم يرضخ للصعاب. كان المسرح بالنسبة له أكثر من خشبة وعرض؛ كان أداة للتعبير، للمقاومة، ولتشكيل وعي جديد في زمن يئن تحت وطأة الاستعمار.
في شخصية حسنين، نرى تجسيدًا حيًا للفنان المقاوم الذي صاغ من كلماته مشهدًا إنسانيًا ينبض بالحياة. إنه الرجل الذي واجه الظل ليخلق نورًا، فبات رمزًا خالدًا في ذاكرة مراكش والمسرح المغربي.

تصنيفات