









حين يموت الأطفال بصمت… من يحاسب المستشفى الإقليمي بزاكورة؟
الوكالة
2026-01-30

محمد البشيـــري
في زاكورة، لم يعد المستشفى الإقليمي يُنظر إليه كمرفق عمومي للعلاج بقدر ما صار، في الوعي الجماعي للساكنة، «محطة عبور» نحو المجهول، ومكاناً يلقبه كثيرون بـ«مستشفى الموت»، بفعل توالي الفواجع الصحية والإخفاقات الطبية التي حوّلته من فضاء للإنقاذ إلى عنوان للقلق والخوف.
فواجع متتالية، ومآسٍ إنسانية متكررة، كان آخرها وفاة أم وجنينها تباعاً، المنحدران من دوار إسكجور بضواحي تامكروت، في واقعة هزّت الرأي العام المحلي والوطني، وفضحت أعطاب منظومة عاجزة عن حماية أبسط الحقوق: الحق في الحياة.
واليوم، تعود المأساة من جديد، مع وفاة رضيع حديث الولادة داخل المؤسسة نفسها، لتطرح مرة أخرى سؤال المسؤولية، وحدود الصمت، وكلفة الإهمال، في إقليم يدفع سكانه ثمن التهميش من أرواحهم.
تفجّرت موجة من الغضب والاستياء بإقليم زاكورة، عقب وفاة رضيع حديث الولادة داخل قسم الولادة بالمستشفى الإقليمي، في ظروف وصفتها أسرته بـ«الغامضة والمقلقة»، وسط تضارب في الروايات الرسمية، وغياب للتوضيحات الطبية، وصمت مؤسساتي يزيد من عمق الجرح الإنساني.
عبد الحكيم مطير، شاب زاكوري في مقتبل العمر ويقيم بحي تانسيطة، والد الرضيع، قال إن زوجته نُقلت إلى المستشفى حوالي الساعة الواحدة ليلاً، بعد دخولها مرحلة المخاض، حيث تم استقبالها بقسم الولادة، قبل أن تضع مولودها بعد نحو نصف ساعة، في ظروف وُصفت حينها بـ«الطبيعية»، مع تأكيد الطاقم لها أن الرضيع يتمتع بصحة جيدة.
غير أن مجريات الأحداث، وفق رواية الأب، سرعان ما أخذت منحى مريباً. جرى نقل المولود مباشرة بعد الولادة من طرف الطاقم التمريضي، دون تمكين والدته من رؤيته أو احتضانه، لتدخل بعدها في دوامة من القلق والترقب، وهي تسأل لساعات طويلة عن مصير رضيعها دون أن تتلقى جواباً واضحاً، سوى وعود متكررة بانتظار حضور الطبيب، الذي لم يكن متواجداً خلال الفترة الليلية، حسب قوله.
وبين جدران قسم الولادة، ظلت الأم معلقة بين الأمل والخوف لساعات طويلة، حتى صباح اليوم الموالي، دون أن يسمح لها برؤية وليدها، قبل أن يتم الاتصال بزوجها بشكل عاجل ومطالبته بالحضور إلى المستشفى، حيث تلقى الخبر الصادم: وفاة الرضيع.
الأكثر إثارة للقلق، بحسب الأسرة، هو تضارب المعطيات الرسمية، إذ أكد الطاقم التمريضي أن المولود «وُلد ميتاً»، بينما صرّح الطبيب لاحقاً بأن الوفاة وقعت حوالي الساعة التاسعة صباحاً، وذلك بحضور ممثل عن السلطة المحلية وعنصر من الأمن الوطني، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول حقيقة ما جرى خلال الساعات الفاصلة بين الولادة والإعلان عن الوفاة.
وفي هذا السياق، طالب عبد الحكيم مطير بفتح تحقيق عاجل ومستقل للكشف عن ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤوليات الإدارية والطبية، وإنصاف أسرته، وضمان تحسين شروط الاستقبال والتكفل الصحي بالمستشفى الإقليمي، تفادياً لتكرار مآسٍ مماثلة.
من جهته، اعتبر إبراهيم رزقو، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بزاكورة، أن ما وقع يشكل «جريمة إنسانية»، تعكس حجم التدهور الخطير الذي يعرفه القطاع الصحي بالإقليم، واستمرار منطق الاستهتار بصحة المواطنين وكرامتهم.
وأكد رزقو أن الوضع الصحي بزاكورة «بلغ مستوى لا يُحتمل»، مذكّراً بأن الجمعية دقت ناقوس الخطر منذ شتنبر 2025، ووصفت المستشفى الإقليمي آنذاك بـ«مقبرة الموت»، دون أن تترجم التحذيرات إلى إصلاحات ملموسة.
وأضاف أن تعيين عامل جديد على الإقليم بعث آمالاً واسعة في نفوس الساكنة، غير أن الواقع اليومي، المدعوم بشكايات موثقة، يكشف استمرار الأعطاب البنيوية وتفاقمها.
ودعا رئيس فرع الجمعية ساكنة الإقليم إلى كسر جدار الصمت، ورفض منطق التطبيل والتملق، مؤكداً أن الدفاع عن الحق في الحياة والكرامة مسؤولية جماعية، وأن ما وقع ليس حالة معزولة.
كما وجّه انتقادات لطريقة تدبير اللقاءات التواصلية، معتبراً أن الصورة المقدمة للواقع مشوهة، في ظل تغييب فاعلين حقوقيين مقابل حضور لوبيات المصالح.
وفي تصريح لافت، أعلن استعداد الجمعية لتقديم ملفات موثقة حول اختلالات تطال الصفقات العمومية، وبرامج «أوراش»، والنقل المدرسي، وملف الموظفين الأشباح، داعياً إلى فتح تحقيقات جدية ونزيهة.
وختم رزقو بالتأكيد على أن «السيل بلغ الزبى»، وأن كرامة المواطن خط أحمر، مشدداً على أن أي إصلاح حقيقي يمر عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ الشفافية، ومواجهة الأعطاب بشجاعة.
بين روايات متضاربة، وصمت إداري ووجع أسرة فقدت فلذة كبدها، يظل السؤال معلقاً: من يحمي الحق في الحياة داخل المستشفيات العمومية؟ ومن يوقف نزيف الثقة بين المواطن ومرفق يفترض فيه أن يكون ملاذاً للنجاة لا بوابة للفاجعة؟
ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع الزاكوري بإلحاح:
ماذا وقع، وماذا يقع داخل هذا المستشفى الذي يحمل اسم “إقليمي” بينما الواقع يكشف أنه مجرد بناية فارغة من روحها؟
وكيف يقبل برلمانيون وفاعلون سياسيون أن يقبضوا رواتب وتعويضات شهرية من المال العام بينما المواطن البسيط يدفن أبناءه بسبب الاهمال ؟
أليس من العار أن يكون اسم هذا المستشفى أكبر منه، وهو لا يقدم في النهاية سوى خدمة واحدة: … الاهمال والإحالة فقط؟ان ما يقع بالمستشفى الإقليمي بزاكورة لم يعد شأناً محلياً معزولاً، بل صار قضية وطنية تستدعي تدخلاً عاجلاً من وزارة الداخلية ووزارة الصحة ، عبر فتح تحقيق جدي، وتفعيل مساطر المراقبة والزجر، وربط المسؤولية بالمحاسبة وإعادة الاعتبار لهيبة المؤسسات .وفي انتظار بلاغ رسمي من لدن السلطات المعنية والتزامًا بمبدأ المصداقية والشفافية والحياد، بعيدًا عن أي مغالطات، يبقى موقعنا و في إطار الحياد الاعلامي المشروط مفتوحًا للجميع من أجل الرد أو التصحيح أو التوضيح، احترامًا لكل الآراء، ومحاولة لكشف الحقائق بدون زيادة أو نقصان.وستبقى “الوكالة ” تتابع الملف عن كثب، لترصد أدق تفاصيله وتنقلها للرأي العام بكل مسؤولية وحياد.




