النظام الجزائري يختار التصعيد ضد الامارات لتغطية أزماته الداخلية

الوكالة

2026-02-08

في خطوة تعكس حجم الارتباك الذي بات يطبع سلوك النظام العسكري الجزائري في علاقاته الخارجية، اختارت الجزائر تصعيدا دبلوماسيا جديدا تجاه دولة الامارات العربية المتحدة، في سياق يبدو مرتبطا اكثر بمحاولة صرف الانظار عن ازماتها الداخلية المتفاقمة اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا، بدل كونه تعبيرا عن خلاف موضوعي حقيقي. هذا التصعيد، الذي ترجم عمليا بالشروع في اجراءات انهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين، جاء بعد سلسلة من الخطابات والتصريحات غير الموفقة الصادرة عن اعلى هرم السلطة في الجزائر، وما رافقها من حملة اعلامية رسمية مشحونة بالانفعال والاتهامات.

فقد اعلنت الجزائر، يوم السبت السابع من فبراير الفين وستة وعشرين، شروعها في مسطرة الغاء اتفاقية الخدمات الجوية المبرمة مع دولة الامارات العربية المتحدة، والموقعة بابوظبي في الثالث عشر من ماي الفين وثلاثة عشر، والمصادق عليها بموجب مرسوم رئاسي في الثلاثين من دجنبر الفين واربعة عشر. وبررت السلطات الجزائرية هذا القرار بالاستناد الى مقتضيات المادة الثانية والعشرين من الاتفاقية، التي تنص على اشعار الطرف الاخر عبر القنوات الدبلوماسية، الى جانب اخطار الامين العام لمنظمة الطيران المدني الدولي، في اجراء قانوني من حيث الشكل، لكنه يحمل في جوهره ابعادا سياسية واضحة.
وياتي هذا التطور في سياق تصعيد متواصل من النظام العسكري الجزائري تجاه الامارات، تغذيه خطابات رسمية واعلامية عدائية طفت الى السطح بشكل متزايد منذ سنة الفين وثلاثة وعشرين، وبلغت ذروتها عقب تصريحات للرئيس عبد المجيد تبون، وصفت على نطاق واسع بغير المسؤولة، بعدما استعمل توصيفات اعتبرها متابعون خروجا عن الاعراف الدبلوماسية وحدود اللياقة السياسية بين الدول. وقد رافق هذه التصريحات هجوم اعلامي منظم من التلفزيون الرسمي ووكالة الانباء الجزائرية، في مشهد عكس انزلاق الخطاب الرسمي نحو لغة شعبوية موجهة للاستهلاك الداخلي.
ويرى متابعون ان هذا التصعيد لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الجزائري، حيث تواجه السلطة العسكرية ازمة ثقة عميقة مع الشارع، وتحديات اقتصادية واجتماعية خانقة، ما يجعل البحث عن خصم خارجي الية ماملوفة لاعادة توجيه النقاش العام وتخفيف الضغط الداخلي. كما ينظر الى استهداف الامارات تحديدا على انه مرتبط بمواقفها الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء، وبحضورها المتنامي في القارة الافريقية من خلال استثمارات استراتيجية وشراكات متعددة، في وقت تسجل فيه الدبلوماسية الجزائرية تراجعا ملحوظا على اكثر من جبهة.
في المقابل، اختارت دولة الامارات العربية المتحدة التعاطي مع هذا التصعيد بمنهج مغاير، قائم على ضبط النفس والتحرك الهادئ عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، دون الانجرار الى سجالات اعلامية او ردود انفعالية. وتعتبر ابوظبي ان ما يصدر عن النظام الجزائري يعكس بالاساس حالة عزلة دبلوماسية وتوترات داخلية متراكمة، اكثر مما يعكس خلافا حقيقيا حول السياسات الاماراتية في المنطقة. لذلك فضلت الامارات التركيز على حماية مصالحها الاستراتيجية، ومواصلة نهجها القائم على تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية في افريقيا ومحيطها الاقليمي، باعتبار ذلك خيارا سياديا لا يخضع لمزايدات سياسية عابرة.
ويكشف هذا التباين في التعاطي بين الطرفين عن نموذجين مختلفين في ادارة العلاقات الدولية، نموذج جزائري تغلب عليه ردود الفعل والانفعال والخطاب التصعيدي، ونموذج اماراتي يعتمد الرصانة الدبلوماسية والعمل المؤسساتي وتغليب منطق المصالح بعيدة المدى. وبينما يراهن النظام العسكري الجزائري على التصعيد كوسيلة لتسكين ازماته الداخلية، تراهن الامارات على الزمن والدبلوماسية الهادئة، في مشهد يعكس بوضوح ان قوة الدول لا تقاس بحدة الخطاب، بل بقدرتها على ادارة الخلافات بحكمة واتزان.