الصحراء المغربية تضع الجزائر خارج التاريخ الدبلوماسي الجديد

الوكالة

2025-10-17

باحدة عبد الرزاق

من موسكو، جاء الصوت واضحا ومحملا برسائل لا تحتاج إلى تأويل: المغرب وروسيا متفقان على ضرورة احترام القانون الدولي، دون استعماله ذريعة لتعطيل الحلول الواقعية في قضية الصحراء المغربية. كلمات وزير الخارجية ناصر بوريطة أمام نظيره الروسي سيرغي لافروف لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل إعلان ضمني عن تحول عميق في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن، حيث تتقلص هوامش المناورة أمام الجزائر وذراعها الانفصالي يوماً بعد آخر.

لقد باتت الدبلوماسية الجزائرية تواجه عزلة خانقة، بعدما انكشفت محدودية خطابها الذي يختبئ خلف شعارات “تقرير المصير” و”الشرعية الدولية”، فيما الواقع الدولي يسير في اتجاه آخر تماما. فكل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، باستثناء مواقف شكلية هنا وهناك، باتت تتحدث بلغة الواقعية السياسية، وتعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 الإطار الجاد والوحيد للحل.

الولايات المتحدة ثبتت موقفها منذ اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه في عهد الرئيس ترامب، ولم يتغير جوهر الموقف في عهد بايدن، بل جرى ترسيخه ميدانيًا من خلال التعاون الأمني والعسكري في الأقاليم الجنوبية. فرنسا، التي حاولت الجزائر استمالتها عبر الابتزاز الطاقي، لم تتراجع عن دعمها الواضح للمسار المغربي. أما إسبانيا، فقد أحدثت زلزالاً دبلوماسيًا سنة 2022 حين أعلنت تأييدها الصريح للحكم الذاتي، لتسقط آخر أوراق الدعاية الجزائرية في أوروبا الغربية.

ثم جاءت ألمانيا لتلتحق بنفس المنطق الواقعي، بينما الصين تواصل التعامل مع المغرب بوصفه شريكا استراتيجيا في إفريقيا، دون أي انخراط في أوهام الانفصال. واليوم، من موسكو، تصدر إشارة جديدة تؤكد أن روسيا، وهي رئيسة مجلس الأمن لشهر أكتوبر، تتبنى موقفا متوازنا يحترم الشرعية دون أن يسمح بتعطيل مسار الحل، وهو ما يعني ضمنيًا رفض استغلال القانون الدولي لتجميد الوضع القائم كما ترغب الجزائر.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة زيارة بوريطة إلى العاصمة الروسية إلا في سياق تكريس موقع المغرب كفاعل موثوق قادر على بناء الجسور مع كل القوى الكبرى دون ارتهان لأي محور. إنها دبلوماسية الثقة التي أرساها جلالة الملك محمد السادس، والتي تنطلق من الشرعية التاريخية والسياسية للمملكة في صحرائها، وتستند إلى شبكة تحالفات متينة تمتد من واشنطن إلى موسكو، ومن بروكسيل إلى بكين.

في المقابل، يظهر النظام الجزائري تائها وسط ارتباك سياسي مزمن، بعدما استنفد كل أوراقه: لا الاتحاد الإفريقي عاد منصة لخطابه الانفصالي، ولا أوروبا تنصت لأوهامه، ولا مجلس الأمن يعير اهتمامًا لبلاغاته المتشنجة. حتى حلفاؤه التقليديون في القارة الإفريقية باتوا يراجعون مواقفهم واحدًا تلو الآخر، مدركين أن الانخراط في مشروع وهمي لم يعد يجلب سوى العزلة والارتباك.

إن ما تحقق للمغرب اليوم هو انتصار للعقل الدبلوماسي الهادئ الذي اختار الواقعية بدل الصراخ، والبناء بدل العداء. أما الجزائر، فمستمرة في هزيمتها الدبلوماسية اليومية، لأنها لا تزال حبيسة سرديات الماضي، تحارب خيالًا صنعته لنفسها، بينما العالم كله يتجه نحو الاعتراف الكامل بمغربية الصحراء باعتبارها حقيقة راسخة لا رجعة فيها.

تصنيفات