









الذكرى الحادية والثمانين لوثيقة المطالبة بالاستقلال ملحمة نضالية خالدة في سجل التاريخ المغربي
الوكالة
2025-01-10

يحتفل المغرب، في الحادي عشر من يناير من كل عام، بذكرى تاريخية مجيدة شكلت منعطفا حاسما في مسيرة الكفاح الوطني، حيث تستحضر المملكة الذكرى الـ 81 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال التي جسدت أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة المستعمر.
لقد كان جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين في 18 نونبر 1927، القائد الملهم الذي أشعل جذوة المقاومة في نفوس المغاربة. وقد تجلت حنكته السياسية في استثمار فرصة مؤتمر آنفا التاريخي في يناير 1943، حيث طرح بكل شجاعة قضية استقلال المغرب، مستندا إلى الدور البطولي الذي لعبه المغرب في دعم الحلفاء ضد النازية، وهو الموقف الذي لقي تأييدا صريحا من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، الذي اعتبر طموح المغرب للاستقلال مشروعا ومعقولا.
وفي خضم نضال مرير ضد نظام استعماري مركب، قسم المغرب بين حماية فرنسية في الوسط، وإسبانية في الشمال والجنوب، ونظام دولي في طنجة، برزت وثيقة المطالبة بالاستقلال كعمل وطني جريء، حمل توقيع سبع وستين شخصية وطنية بارزة، من بينهم امرأة شجاعة، ليضعوا بصمة خالدة في سجل النضال المغربي.
لقد تميزت الوثيقة برؤية سياسية متكاملة، حيث جمعت بين المطالبة بالاستقلال تحت قيادة الملك الشرعي سيدي محمد بن يوسف، والسعي للاعتراف الدولي عبر الانضمام لوثيقة الأطلسي والمشاركة في مؤتمر الصلح، مع وضع تصور واضح للإصلاح السياسي الداخلي يقوم على نظام شوري يضمن حقوق وواجبات كافة شرائح الشعب المغربي.
وقد شكلت زيارة جلالة المغفور له محمد الخامس التاريخية لطنجة سنة 1947 محطة فارقة في مسار النضال، حيث جدد المطالب الواردة في الوثيقة، متحديا إرادة السلطات الاستعمارية التي لم تجد بدا من نفيه، غير أن هذا القرار الجائر أجج روح المقاومة في نفوس المغاربة، مما مهد الطريق لعودة أب الأمة المظفرة وإعلان استقلال المملكة سنة 1956.
إن هذه الملحمة النضالية العظيمة، التي جمعت بين الانتفاضات الشعبية والمعارك الضارية في الأطلس المتوسط والشمال والجنوب، والنضال السياسي المتواصل منذ مناهضة الظهير الاستعماري في 16 ماي 1930، وما صاحبه من تحركات شعبية عارمة رفضت سياسة فرق تسد، مرورا بالمطالب الإصلاحية في 1934 و1936 التي أظهرت نضج الوعي السياسي المغربي، وصولا إلى تقديم وثيقة الاستقلال التي شكلت تتويجا لمسار نضالي طويل، لتظل هذه المحطات التاريخية المشرقة شاهدة على روح التضحية والفداء التي تحلى بها الشعب المغربي، وعلى عمق الالتحام بين العرش والشعب في مواجهة المستعمر. فقد كانت كل معركة، وكل انتفاضة، وكل موقف سياسي، لبنة في صرح الحرية الذي تحقق بفضل تضافر جهود الملك والشعب، ليؤكد للعالم أجمع أن إرادة الشعوب في نيل حريتها لا تقهر.
إن استحضار هذه المحطة التاريخية الخالدة في الذاكرة الوطنية المغربية، لا يقتصر على مجرد تخليد ذكرى أو استعراض لأحداث الماضي، بل هو درس عميق في معاني الوحدة والتضحية والإيمان بعدالة القضية. فقد علمتنا وثيقة المطالبة بالاستقلال أن النصر يأتي حين تتوحد الإرادات وتتكاتف الجهود تحت راية واحدة وقيادة حكيمة.
وإذ تتعاقب الأجيال، يظل من واجب الناشئة المغربية أن تستوعب عمق هذا الإرث النضالي وأن تستلهم منه الدروس والعبر، فالحرية التي ننعم بها اليوم ثمرة لتضحيات جسام ونضال مرير خاضه الآباء والأجداد. وها هو المغرب اليوم، بفضل هذه التضحيات وبحكمة قيادته، يواصل مسيرته نحو مزيد من التقدم والازدهار، محافظا على وحدته الترابية، متشبثا بثوابته الوطنية، مدافعا عن مصالحه السيادية.
إن الاحتفاء بالذكرى الـ 81 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال هو تجديد للعهد مع قيم الوطنية الحقة، وتأكيد على أن روح المقاومة التي تجلت في ذلك اليوم المجيد من يناير 1944 لا تزال حية في نفوس المغاربة، تدفعهم نحو مزيد من العطاء والبذل في سبيل رفعة الوطن وعزته تحت القيادة النيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.




