الجزائر.. ناصر الجن يفضح ضعف القوة الضاربة

الوكالة

2025-09-19

باحدة عبد الرزاق

هروب العميد عبد القادر حداد، المعروف بلقب “ناصر الجن”، شكل صدمة كبيرة داخل الجزائر، حيث لم يكن مجرد حادثة أمنية عادية، بل كشف عن أزمة سياسية عميقة وهشاشة النظام العسكري في البلاد. هذه الحادثة تظهر أن النظام الذي كان يعتمد على صورة “القوة الضاربة” للمؤسسة العسكرية كدرع واقي للبلاد، يعاني من انقسامات داخلية حادة وضعف في ضبط المؤسسة التي يفترض أن تحميه. الدعم الداخلي الذي تلقاه حداد من داخل المؤسسة العسكرية يؤكد وجود صراعات وتحالفات معقدة تسعى للسيطرة على مفاصل السلطة، الأمر الذي يهدد استقرار النظام ويقلل من قدرته على اتخاذ قرارات موحدة وحاسمة في أوقات الأزمات.

المفارقة الأكثر وضوحًا تكمن في أن هذا الضابط الذي يملك مواقف معادية للغرب، وخاصة فرنسا، لجأ إلى إسبانيا كملجأ للهروب، مما يكشف التناقض الكبير بين الخطاب الرسمي الوطني الذي يتحدث عن السيادة والاستقلال، وبين الواقع المتشابك والمعقد الذي يعيشه النظام. هذه الخطوة تعكس أزمة ثقة داخلية عميقة في أوساط القيادة، حيث يبدو أن كبار الضباط فقدوا اليقين في قدرة النظام على الصمود أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

هروب “ناصر الجن” لم يؤثر فقط في صورة النظام أمام الشعب، بل ضرب أيضًا شرعية الحكم إذ رأى المواطنون أن نخبة الحكم ليست متماسكة وأنها تغرق في صراعات داخلية قد تنذر بانهيار شامل. فقدان الثقة بين أطراف النخبة الحاكمة، يجعل إمكانية استقرار الحكم وتنفيذ الخطط الإصلاحية محدودة، ويفتح الباب أمام اضطرابات محتملة. كما أن المؤسسة العسكرية التي كانت تُعتبر نموذجًا للتنظيم والاحتراف تواجه اليوم أزمة مصداقية وأخلاقية بما في ذلك أسئلة جدية عن التزام أفرادها ومصداقية قياداتها.

الحادثة أثرت أيضًا في الأجواء الاجتماعية والسياسية داخل الجزائر، إذ تزيد من استياء الشارع تجاه النظام، الذي يرى وجوه مسؤوله وهروبها كدليل دامغ على فشل السلطات في إدارة الأزمة. في ظل تزايد الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية، يرسل هذا الهروب إشارة قوية بأن النظام يعاني من أزمة وجودية، مما قد يعزز مظاهر المعارضة والمطالب المطلبة بالديمقراطية ومحاربة الفساد.

يمكن القول إن هروب عبد القادر حداد ليس مجرد حادث وقع بسبب ظروف خاصة، بل هو انعكاس لمعاناة النظام الجزائري من أزمة بنيوية عميقة تستوجب مراجعة جذرية لإدارة السلطة وإعادة بناء الثقة بين الشعب والسلطة، أو مواجهة احتمالات تغيير واسع قد يحمل في طياته تحولات كبيرة على الصعيد الداخلي والخارجي.