أوتيستو .. حين تصير الأمومة جبهة للوجود وجرحا مفتوحا في وعي المجتمع

الوكالة

2025-10-21

بدر قلاج

في الدورة الجديدة من المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، تعود الممثلة لبنى أبيضار إلى الساحة السينمائية المغربية بعد غيابٍ طويل، من خلال فيلم “أوتيستو” الذي يعرض رسميا يوم 20 أكتوبر 2025. عمل درامي اجتماعي وإنساني، يجمع بين الصدق الفني والجرأة في الطرح، ويعيد إلى الواجهة قضايا مسكوتا عنها في المجتمع المغربي.

في هذا الفيلم، الذي يحمل توقيع المخرج الفرنسي جيروم أوليفر كوهين، وتجسد فيه أبيضار دور البطولة المطلقة، نجد أنفسنا أمام حكاية أم عازبة لطفل مصاب باضطراب التوحد، تعيش صراعا يوميا بين رغبتها في حماية ابنها وبين نظرات المجتمع القاسية. الفيلم من إنتاج المركز السينمائي المغربي بشراكة مع شركة زهور الفاسي الفهري، ويشارك في بطولته ساندية تاج الدين، حمزة الطاهري، وعبد الرحيم الخراز، في توليفة تمزج بين الخبرة والتجديد.

يرصد “أوتيستو” الواقع الصعب للأمهات العازبات في المغرب، وما يواجهنه من تحديات اجتماعية واقتصادية في ظل نقص الخدمات التعليمية والصحية، خصوصا للأسر التي تحتضن أطفالا ذوي اضطرابات عصبية أو سلوكية. من خلال سردٍ واقعي وصورٍ قريبة من نبض الشارع، يقدم الفيلم مرآة للوجع الإنساني داخل مجتمعٍ يرفع شعارات التضامن، لكنه كثيرا ما يعجز عن ممارستها فعلا.

ورغم أن العمل يتضمن مشاهد جريئة، إلا أنها تأتي في سياق درامي يخدم الفكرة الأساسية، وهي مواجهة المرأة لوحدتها، وخوفها، وصمتها أمام مجتمعٍ لا يغفر اختلافها. فالأم في “أوتيستو” ليست بطلة خارقة، لكنها إنسانة تتشبث بالحياة رغم الانكسارات، وتجعل من حبها لطفلها معنى جديدا للوجود ذاته.

عودة لبنى أبيضار عبر هذا الفيلم ليست مجرد حدث فني، بل تجربة إنسانية تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الوعي الاجتماعي. فالممثلة التي غادرت المغرب في فترة سابقة تحت ضغط التنمر والانتقادات، تعود اليوم بنضج فني واضح، لتعلن أن الفن يمكن أن يكون مساحة للمصالحة مع الذات والوطن في آن واحد.

يقدّم “أوتيستو” نفسه كأكثر من مجرد فيلم اجتماعي؛ إنه دعوة للتفكير في معنى الأمومة والاختلاف والقبول، وفي مدى استعداد المجتمع لتجاوز الأحكام الجاهزة نحو فهم أعمق للإنسان. من خلال الأداء المكثف لأبيضار، ولغة الصورة التي تجمع بين الحميمية والقسوة، يتحول العمل إلى تأمل فلسفي في هشاشة الكائن البشري حين يحاصر بين الحب والخوف.

بهذا العمل، تضع أبيضار بصمتها من جديد في المشهد السينمائي المغربي، ليس كاسم مثير للجدل، بل كفنانة تمنح الجرح الإنساني صوتا وصورة وكرامة. ويبدو أن “أوتيستو” سيكون نقطة تحول في مسارها المهني، ولبنة جديدة في بناء سينما مغربية تجرؤ على مساءلة المجتمع بدل تجميله، وتمنح الفن وظيفة نبيلة تتجاوز الترفيه نحو الوعي.